لم تعد بنقريش، بإقليم تطوان، مجرد منطقة تنتظر المشاريع والوعود، بعدما بدأت على أرض الواقع تبرز ملامح دينامية جديدة تمس عددا من القطاعات الحيوية، من الصحة والتجارة إلى تنظيم المجال وحماية الموارد الطبيعية. فمن ورش تأهيل المستشفى إلى مشروع سوق القرب، مرورا بالمراقبة المرتبطة بالبناء غير القانوني والملك العمومي والملك الغابوي والفرش المائية، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تفرض نفسها على السكان وعلى مختلف المتدخلين في تدبير الشأن المحلي.
وتكشف جولة ميدانية بالمنطقة أن هذه التحولات لا ترتبط بمشروع واحد، وإنما بمجموعة من الأوراش والملفات التي تتقاطع في ما بينها، وتهم بشكل مباشر الحياة اليومية للساكنة. فالمطلوب اليوم ليس فقط إنجاز بنايات أو إطلاق مشاريع، وإنما تحويل هذه الأوراش إلى خدمات فعلية، وتنظيم المجال بما يحفظ حقوق السكان ويحمي المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة.
وفي مقدمة هذه الأوراش، يبرز مشروع إتمام وتأهيل مستشفى بنقريش، الذي يحظى باهتمام خاص من طرف السكان، بالنظر إلى ما يمثله هذا المرفق من أهمية في تقريب الخدمات الصحية من المواطنين. ووفق المعطيات المتوفرة حول المشروع، تبلغ كلفته الإجمالية حوالي 26 مليون درهم، بتمويل من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، فيما حدد أجل الإنجاز في ثمانية أشهر.
ويأتي هذا الورش بعد فترة طويلة ظل خلالها المرفق الصحي خارج الخدمة، الأمر الذي جعل استعادته مطلبا أساسيا لدى أبناء المنطقة، خصوصا أن عددا من المرضى كانوا يضطرون إلى التنقل نحو تطوان للاستفادة من الخدمات الصحية. ولذلك، فإن استكمال الأشغال لا ينظر إليه محليا باعتباره مجرد إعادة تأهيل لبناية، بل باعتباره استعادة لمرفق عمومي يفترض أن يؤدي دورا أساسيا في تخفيف معاناة السكان وتقريب الخدمات الصحية منهم.
وبالتوازي مع الورش الصحي، يبرز مشروع سوق القرب باعتباره أحد المشاريع التي يمكن أن تساهم في إعادة ترتيب النشاط التجاري بالمنطقة، خصوصا في ظل الحاجة إلى توفير فضاء منظم للتجار والحد من مظاهر البيع والفرش العشوائيين.
فالسوق المرتقب لا يتعلق فقط بتوفير أماكن لممارسة التجارة، وإنما يرتبط أيضا بتنظيم الحركة التجارية وتحسين شروط النظافة والسلامة، وإدماج الأنشطة التجارية في إطار أكثر وضوحا وتنظيما. ومن شأن توفير فضاء ملائم أن يمنح التجار بديلا عمليا عن بعض مظاهر الاستغلال غير المنظم للفضاء العمومي، وفي الوقت نفسه يضمن للساكنة مجالا أكثر انتظاما وانسيابية.
غير أن التحول الذي تشهده بنقريش لا يتوقف عند المشاريع المرتبطة بالخدمات والتجارة، إذ يحضر الملف البيئي بقوة، خصوصا ما يتعلق بحماية الملك الغابوي والفرش المائية، باعتبارهما من أهم المؤهلات الطبيعية للمنطقة.
وتفرض هذه الموارد أهمية خاصة بالنظر إلى دورها في الحفاظ على التوازن البيئي وتأمين الموارد للأجيال المقبلة، وهو ما يجعل حمايتها مسؤولية تتجاوز التدخل الظرفي لتتطلب مراقبة مستمرة والتصدي لمختلف أشكال الاستغلال غير القانوني والتعديات على الملك العمومي.
وفي السياق نفسه، تواصل السلطات المحلية تدخلاتها في مواجهة مظاهر البناء غير القانوني والكريانات العشوائية، في إطار مسعى يروم ضبط المجال العمراني والحد من انتشار البناء خارج الضوابط القانونية. وتفرض طبيعة هذه الملفات حضورا ميدانيا متواصلا، سواء تعلق الأمر بوقف أشغال مخالفة أو تحرير الملك العمومي أو التعامل مع بنايات غير قانونية.
ولا تبدو هذه المهمة سهلة، بالنظر إلى تداخل الاعتبارات القانونية والاجتماعية في عدد من الحالات، غير أن تنظيم المجال يظل مرتبطا بتطبيق القانون واحترام المساطر المعمول بها، مع ضرورة التعامل مع مختلف الوضعيات وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.
ومن قلب هذه التحولات، تبدو شهادات أبناء المنطقة ذات أهمية خاصة، لأنها تقدم صورة أخرى عن بنقريش، صورة تتجاوز لغة المشاريع والأرقام إلى ذاكرة السكان وانتظاراتهم اليومية.
وفي هذا الإطار، تحدث مصطفى، صاحب دكان «الحمامة»، عن التحولات التي تعرفها المنطقة، مستحضرا في الوقت نفسه ارتباطه العائلي والتاريخي ببنقريش، باعتباره ينحدر من عائلة عريقة ارتبط اسمها بالمنطقة وأهلها. ويرى مصطفى أن المشاريع التي تشهدها بنقريش اليوم يمكن أن تشكل فرصة لتحسين ظروف العيش، شريطة أن تستمر الأوراش وأن تنعكس نتائجها بشكل مباشر على السكان.
ويؤكد المتحدث أن السكان ينتظرون بشكل خاص استعادة المستشفى لدوره، إلى جانب تنظيم النشاط التجاري من خلال سوق القرب، مع الحفاظ على المجال الطبيعي الذي يشكل جزءا من هوية المنطقة ومؤهلاتها.
ومن جانبه، يستحضر عبد العزيز القريشي، وهو أيضا من أبناء المنطقة ومن عائلة عريقة، أهمية الحفاظ على خصوصية بنقريش، معتبرا أن التنمية لا تنفصل عن حماية المجال والموارد التي ظلت على مدى عقود جزءا من حياة السكان.
أما شهادة كساب، راعي الغنم الذي يبلغ من العمر 97 سنة، فتمنح للتقرير بعدا مختلفا، باعتباره واحدا من أبناء جيل عاش تحولات بنقريش على مدى عقود طويلة. فقد ظل الرجل مرتبطا بالأرض والماشية والمجال الطبيعي، وعاش مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، قبل أن يرى اليوم كيف تغيرت ملامحها وتوسعت حاجيات سكانها وتعددت الملفات المرتبطة بتنظيمها.
وتحمل شهادة الرجل، الذي يمثل ذاكرة حية لجيل من أبناء بنقريش، دلالة خاصة، إذ تختصر مسارا طويلا من التحولات التي عرفتها المنطقة، من نمط عيش كان يعتمد بشكل كبير على الأرض والرعي والموارد الطبيعية إلى واقع جديد تتزايد فيه الحاجة إلى الخدمات الصحية وتنظيم التجارة وضبط المجال العمراني وحماية البيئة.
وتتقاطع شهادات أبناء المنطقة، رغم اختلاف مواقع أصحابها وتجاربهم، عند نقطة أساسية تتمثل في أن بنقريش تحتاج إلى استمرار الدينامية الحالية وربطها بحاجيات السكان، حتى لا تبقى المشاريع مجرد أوراش، وإنما تتحول إلى خدمات ومرافق تحدث أثرا ملموسا في الحياة اليومية.
وفي خضم هذه الأوراش، يبرز الحضور الميداني للسلطات المحلية في تتبع عدد من الملفات ومواكبة المشاريع والتعامل مع الإشكالات المطروحة على أرض الواقع، خصوصا تلك المتعلقة بتنظيم المجال والملك العمومي والبناء غير القانوني وحماية الموارد الطبيعية.
وتكشف المعطيات الميدانية أن الرهان في بنقريش لم يعد مقتصرا على معالجة اختلالات منفردة، وإنما يتجه نحو إعادة ترتيب المجال وفق رؤية تجمع بين تحسين الخدمات الأساسية وتنظيم الأنشطة التجارية وحماية الموارد الطبيعية ومحاصرة مظاهر البناء العشوائي.
وبين مستشفى يستعد لاستعادة دوره، وسوق للقرب ينتظر أن يساهم في تنظيم التجارة، وموارد غابوية ومائية تحتاج إلى حماية مستمرة، ومجال عمراني يتطلب ضبطا ومراقبة، تدخل بنقريش مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز مدى قدرة هذه الأوراش على الاستمرار وتحويل الاستثمار العمومي إلى نتائج ملموسة.
وبالنسبة إلى سكان المنطقة، فإن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المشاريع المبرمجة، وإنما بما تتركه هذه المشاريع من أثر في حياة المواطنين، وبمدى قدرتها على تحسين الخدمات وتنظيم المجال وحماية الموارد التي تشكل جزءا من هوية بنقريش ومستقبلها.
وهكذا، وبين ذاكرة رجل بلغ 97 سنة، وشهادات أبناء المنطقة، وأوراش جديدة بدأت تستعيد حضورها على الأرض، تبدو بنقريش وكأنها تفتح صفحة جديدة من مسارها التنموي، عنوانها تحسين الخدمات، تنظيم المجال، حماية المؤهلات الطبيعية، وربط المشاريع بانتظارات السكان.