رواية “قاب قوسين أو أدنى” لسعاد الناصر (1)

رواية “قاب قوسين أو أدنى” لسعاد الناصر (1).
– هاشمي بريس
كتابة: عبدالسلام الزويدار

19شوال 1446هـ-18/04/2025م
تتَّسِمُ روايةُ “قاب قوسين أو أدنى” للكاتبة الروائية سعاد الناصر بطابَعِ الخيالِ الخِصبِ والأحداثِ المكثَّفَةِ، وتمتحُ من الواقع مادَّةً لها، ذلك الواقع الذي فُرِضَ على العالَمِ بالكامِلِ قَصرًا، فوجدَ الإنسانُ نفسَهُ في رَمشَةِ عينٍ مسجونًا محرومًا من حريَّتِهِ، ما يجعل المتلقي شريكًا في عملية الإبداع بتفسيره وتأويله، كيف لا؟! وقد عايشَ الأمرَّينِ من خلاله، وهي أزمة كوفيد، أو ما يُسمّى بالكورونا.
تدور أحداث الرواية في فلك ستَّة أشخاص، هم أفرادُ عائلةٍ؛ الأب سي احمد والأم مريم والبنت الكبرى حنان والابن يوسف وآخر العنقود أميمة والجدة مّاالحاجة، كل واحد من فرد العائلة إلا الجدَّة، خُصِّصَ له فصل يروي فيه الحالة التي اعترته من هذا الفيروس، كيف كانت حياته قبل وبعد الحجر الصِّحيِّ. وكيف تعامل مع صدمة موت الجدَّةِ مّاالحاجة في هذه الجائحة، التي كانت تنير المنزل بقنديلِ المحبَّةِ والأذكار والأدعية.
إذا حاولنا سَبرَ أغوارِ الشَّخصِيَّةِ المِحوَرِيَّةِ وهي الأبُ، وإن كانت كل الشخصياتِ محوريَّةً في نظري، لأن لها نفسًا خاصًّا في وضع بصمة على انسجامِ وتسلسلِ السَّردِ، ولكن وصفنا الأب بالشخصية المحورية، لكونه في العائلة رُبّانَها، لما لي هذه الكلمة من معنى ذا طابعٍ خاصٍّ، فالرُّبان الجيِّدُ هو الذي يُحسِنُ قيادةَ السَّفينةِ ومعه المساعد ألا وهي الأمُّ، ولولا هذا المُساعِدُ لظل الرُّبان يخبط خبط عشواء ولن يخرج بالسفينة إلى برِّ الأمان. والسؤال الذي راودني وأنا أقرأ الفصل الخاص بالأب، كيف استطاعت الكاتبة البوح على لسانه بهذا الشكل المتسلسل، بما يحمله الرَّجُلُ من تقلُّباتٍ وتشنُّجاتٍ نفسيَّةٍ؟!
أَن أَلتَمِسَ في البطل ذاك الرَّجُلَ الرَّؤوفَ والبارَّ بعائلته، والفظَّ في الحوار والمعاملةِ أحيانًا، كما يحلو لزوجه وصفه، والغاضب تارةً أخرى. ولكن مع ذلك فهي تحِنُّ وتُشفِقُ عليه، لأنَّ همَّهُ إبقاءَ العائلةِ آمنةً مُطمئنةً يأتيها رزقها رغدًا بإذنِ رَبِّها، وفي هذا دلالة على الصفة الفطرية التي وهبها الله تعالى للرجل، وهي التفكير العقلي، بمعنى أن الرجل يغلب عليه في تفكيره الطابع العقلي، في مقابل المرأة التي يغلب على تفكيرها الطابع العاطفي، وهذا أمر لا غبار عليه، ويشهد به كل ذي عقل راجح، وبهما تتكامل العلاقة الأسريَّة، ولا أخالُ هذه الجماليَّةَ في البوح، إلا بكون الكاتِبَةِ مربِّيَةَ أجيالٍ وأجيالٍ، عصاميَّةً، مازَت الخَبيثَ من الطيِّبِ في سنواتِ تدريسِها…
ولسانُ الأمِّ في هذه الرواية ينادي لمن تقرأ الرواية أن التمسي الأعذار، واتخذي من التضحية سبيلا، وبالرَّغم أنها لم تُكمِل تدريسها وثقافتها محدودة إلا أنها لم تترك الرُّبان ينهشه البحر وتلطمه أمواجه، بل تحاملت معه وصبِرت مقابل شجرةِ العائلةِ حتى لا تنكسر، وما مرَّت به الأمُّ مناداةٌ لمن حبستهُنَّ الأيّام عن مواصلة تحصيلهن، أن اهبُبنَ واعتصمنَ ولا تايئسَنَ وأكملنَ دراستكنَّ، ولكن في حِمى الشريعة الربّانيَّةِ حتى لا تجرفكنَ الأهواءُ فتَتِهنَ في ظلماتٍ تحسِبنها خيرا لكُنَّ، بل هي شرٌّ لكنَّ.
وبذلك يكون أفق التوقع بالنسبة للمتلقي قد ساير ذائقته، فمن خلال الأحداث التي يلتقي معها في الصفحات الأولى، تبشره بمكمن الأحداث، وذلك كونها في دائرة أسرة محافظة، مثلها مثل سائر الأسر التطوانية العريقة التي نشأت على حب العلم والفن والتراث ومصاحبة أهل الفضل. ومن هنا نستبين دور الوالدين في شدِّ عرى الأسرة، وألّا يدعا الأبناء يتقاذفهم سيلُ الفتن، ونحن في عصر أضحت هي في وسط البيت مع جهاز الهاتف، يرافقك كأنه صاحبك، وكذلك في الصحبة التي يتخذها الأبناء، فالصاحب ساحب، وهذا يظهر جليا في الحالة التي كادت أن تنهي مسيرة يوسف الشخصية والدراسية، ما جعل الأب يعيد حساباته في مرافقته لابنه، فأضحى مرافقا له، يصاحبه في الشاردة والواردة.
——————–
(1) الناشر: مكتبة سلمى الثقافية، تطوان.
