“إضاءات بين الدراما والأنساق الثقافية في قصة” حارسة البحر” للقاصة فدوى الجراري”(1)

0 1٬334

– بقلم محمد أغزيت.

– وجدة، في 13 ماي 2025.

 

إن الحديث عن القصة القصيرة هو حديث عن جنس أدبي فريد؛ يستفيد في بناء نفسه من مجموعة من الأجناس الأخرى؛ حيث يقترض الكثافة من الشعر، وتقنيات الحكي من الرواية والمسرح…إلخ، وقد تعرض هذا الجنس على غرار بقية الأجناس الأدبية لنقلة نوعية هامة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وهي تلك المتعلقة بمحاولة تجاوز الغنائية والذاتية المفرطة إلى منطق أرحب وفضاء أدبي أعم يعطي لكل أطراف التجربة حق البوح والمرافعة عن القضية التي يعالجها العمل؛ كل من موقعه وبطريقته الخاصة. وإنّ من أجلّ أوجه هذا التجاوز؛ تجاوز نقاء النوع الأدبي نفسه- كما قال بذلك رولان بارت – في إطار نظرية التداخل الأجناسي.

إن محاولة تجاوز الغنائية في أي نوع أدبي يعني- بالضرورة- الدخول في حيز الدرامية التي تحل خطا فاصلا بين الغنائية والملحمية؛ خاصة ونحن – فعلا – نعيش عصر الدراما- بتعبير أحمد كريم بلال- ومن ثم فإن معظم التجارب الإبداعية المعاصرة تنحو هذا المنحى، ومن ذلك تجربة القاصة المغربية فدوى الجراري، خاصة من خلال قصتها” حارسة البحر” التي أحرزت بها الرتبة الثانية ضمن مسابقة القصاصين الشباب الوطنية، وهي قصة حبلى بالأحداث والمواقف المتضاربة والانفعالات المتصارعة والأصوات المتمايزة.

لقد جاءت ” حارسة البحر” على النمط الكلاسيكي في الكتابة القصصية؛ إذ أنها تخضع لاستقامة الزمن وتدريجية ظهور الشخصيات…إلخ، إلا أنها تستدعي أيضا نمط الكتابة في روائع الحكي العالمي، أمثال: كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة…إلخ؛ حيث نجدها تقوم على شقين؛ أحدهما يمثل القصة المؤطِّرة، وهو المتعلق بتعود السارد الذهاب إلى البحر وما يصور هناك من مشاهد ومواقف وشخوص وأشياء، وهو استهلال يبدو غنائيا محضا لأول وهلة إلا أنه سرعان ما تضمحل غنائيته ويصير صوت السارد فيه مجرد صوت من بين عدة أصوات ينقلها السرد، أما الشق الآخر فهو المتعلق بالقصة المؤطَّرة وهي قصة العجوز المعتكفة على هامش البحر، وهي قصة رغم تمحورها حول شخصية واحدة هي شخصية العجوز التي عُنيَّ السارد بالسرد عنها تارة والحديث إليها تارة أخرى، إلا أن بينها وبين مجموعة من الأصوات الأخرى عدة تعالقات.

إن الدراما في هذه القصة تتجسد أساسا فيما تحمله من صراع وما تجليه من مفارقات. فما عناصر البناء الدرامي في قصة “حارسة البحر”؟ وما الأنساق الثقافية المضمرة التي تنقلها من خلال الأصوات الدرامية؟

إنه من المستحيل الحديث عن الدراما في أي جنس أدبي دون الحديث عن أحداث ومواقف درامية تربط بينها حبكة متقنة، وهو الأمر الذي نجده في قصة” حارسة البحر”؛ حيث إن بين أفعال البداية(أنتهي من عملي/ أركن سيارتي/ اغرز قصبة الصيد…إلخ ) التي يطبعها الهدوء، وأفعال الختم ( لمت نفسي/ ظلت تطفو في خاطري أفكار…إلخ ) التي تحيل إلى نوع من الرجة الوجودية والقلق النفسي المفضيين إلى نوع من المفارقة في الشعور لدى الشخصيات وعلاقاتهم بالمكان، حيث نجد مثلا أن البحر الذي كان مصدر السلوى والعزاء لدى السارد في بداية القصة قد صار مكمن الندم والحسرة عند نهايتها، وبين هذه الأفعال وتلك أفعال الوسط التي تحمل التفسيرات الطبيعية لهذا التحول، وتشكل حلقات الوصل في هذه الحبكة الدرامية المطعمة بمجموعة من الشخصيات والأصوات والمشاهد التصويرية، وقد استفاض السارد في نقل هذه المشاهد والأصوات التي يؤثث أغلبها فضاء القصة المؤطِّرة؛ ( عاشقان يتواعدان/ صديقان ينتشيان بسجارة حشيش/ أب يلاعب ابنته…إلخ)، وكلّها أصوات صور متضاربة سواء من حيث البنية العمرية للشخصيات أو من حيث طبيعتها الاجتماعية والتزامها الأخلاقي، هذا من حيث الشخصيات، أما من حيث المشاهد فطبعتها المفارقة أيضا داخل نفس الفضاء الجغرافي ( البحر )، فمشهد أسراب الطيور وهي تؤدي حركات بهلوانية تمتع الناظرين، يجسد تعبيرا فرجويا جماليا يقابله مشهد العاشقين وهما يتواعدان ومشهد الصديقين المنتشيين بسجارة الحشيش، وهما مشهدان يكسران تلك الجمالية التصويرية ويشوهان ذلك العرض الفرجوي المحبوك الذي جعلت القاصة القارئ والسارد متفرجين خلاله والبحر فضاءه والطيور شخوصا تؤديه.

تتغلغل الدراما في هذه القصة إلى عمق الشخصيات وتجلي ذلك التضارب والصراع الحاصل سواء على مستواها النفسي أو الاجتماعي أو الثقافي…إلخ؛ فشخصية العجوز مثلا تعيش هذه المفارقة في الموقف بين صمت اختارته وكلام غزير يعتصر بحلقها يكاد ينفلت كلما اقترب منها شخص ما يحدثها، وكذلك بين موقف القوة والحكمة التي تبدو عليها وبين الهشاشة النفسية التي يظهرها فعل الهروب والخوف من البوح، إضافة إلى المفارقة من حيث الوجود السوسيوثقافي لهذه الشخصية؛ حيث تظهر بصورة العجوز القروية( الجبلية ) التي لا يبدو عليها من أمارات التعلم شيء، ثم تظهر فيما بعد بصورة السيدة الحكيمة المخالفة للسان أهلها؛ إذ تتقن الفصحى على خلاف أغلب أهل الجبل الذين نسبتها إليهم القاصة بشكل ضمني عند تعدادها لعناصر لباسها إذ تقول:” فوق رأسها قبعة من القصب الجاف محلي الصنع يعرف ب” الشاشية الجبلية”، ولعل هذه من المؤاخذات التي يمكن أن نأخذها على القصة، فقد كان أبلغ في إيصال رسالتها أن تتحدث العجوز بلسان أهلها حتى تنقل من خلال الخطاب بعض الخصوصيات التعبيرية لأهل الجبل، وإلا ما الغاية من تعداد القاصة لعناصر لباس العجوز القروي ( الجبلي) وذكرها للقبعة باللهجة المحلية لأهل الجبل؟

إن الشخوص الدرامية في قصة” حارسة البحر” تنقل ثلة من الأنساق الثقافية الظاهرة والمضمرة؛ فشخصية السارد مثلا تنقل نسقا ثقافيا اجتماعيا ينقد مجموعة من السلوكيات السوسيولوجية لطوائف اجتماعية متعددة ومتباينة، عبر طريقة الهدم وإعادة البناء أو الدحض والتبديل، فتوقِع جو البحر بديلا لجو المقاهي، وفضاء المقهى المغلق في مقابل فضاء البحر الفسيح، وروائح الرمل والزبد بديلا عن روائح السجائر السابحة في حيز المقهى، وتضفي القاصة على هذا النسق السوسيولوجي ثلة من التعبيرات التي تمتح من النسق الديني من قبيل: غنج المد / حياء الجزر / مكنوناتي/ رضي/ أجزى/…إلخ، بينما تعكس شخصية العجوز تضاربا بين نسقين ثقافيين أحدهما غربي رأسمالي؛ أشارت إليه القاصة بطمع الابن في الحياة الهنيئة وراء البحار، وافتراض تنكره لأمه نتيجة تشبعه بالأفكار الغربية الداعية إلى الفردانية والاستقلالية، والآخر شرقي تمثله العجوز نفسها إذ جسدت المرأة القروية العربية البسيطة المتشبثة بأبنائها وزوجها، والطامحة إلى الحياة الهنيئة بقربهم على عوزهم وحاجتهم وإيثارها لذلك على حساب حياة الغنى والترف في مجتمعات يصير فيها الإنسان مجرد آلة في المعامل الرأسمالية، أي توثر حياة القيم على حياة الدرهم.

تعد قصة “حارسة البحر” من التجارب الإبداعية الفريدة في مجال القصة القصيرة المغربية؛ حيث حاولت القاصة من خلالها معالجة مجموعة من الموضوعات الاجتماعية الهامة من قبيل: الهجرة السرية/ الانحلال الأخلاقي/ الإدمان…إلخ، بنَفَسٍ درامي يشرك المتلقي في بناء الأحكام حول الموضوعات المتناولة. ولا يفوتنا أن نشير ونحن في هذا المقام إلى أن جلَّ هذه الموضوعات تنبثق من رحم التخصص الأكاديمي للقاصة باعتبارها باحثة سوسيولوجية، مما يعكس ذلك الطابع التجريبي للمغامرة الإبداعية لديها؛ إذ تستفيد من مختلف المشارب المعرفية، فتؤكد إلى جانب سيادة منطق التداخل الأجناسي في تجربتها شكلا، على تلاقح الحقل الأدبي مع مختلف الحقول المعرفية الأخرى، الأمر الذي يضمن الغنى الدلالي للنص، ويفتحه على إمكانيات متنوعة للقراءة، يستند كل منها على مرجعية فكرية معينة؛ فتتعدد الفهوم وتتنوع الرسائل الأخلاقية المبطنة فيه، ليكشف كل متلق ما يسعفه فهمه ليكشفه، ومنه يتأسس النص على نمط كوني عام يتجاوز الوحدة المرجعية والانحياز الثقافي. ولا يفوتنا أن نشير كذلك إلى أن الاستفادة من الحقل السوسيولوجي ـــــ على وجه التخصيص ــــــ في هذا المقام من شأنه أن يضفي على النص بعدا وظيفيا، يمكّن من رصد وتحليل ومعالجة مجموعة من السلوكيات السيكوسوسيولوجية التي قد لا ينتبه لها عموم الناس رغم تأثيرها البالغ على الحياة والمجتمع والقيم.

 

———————–

(1) تجدون القصة في أعمال الدورة السابعة من مسابقة القصّاصين الشباب الموسومة بـ: “أحلام مصادرة”، عن نادي القراءة بالمركز الثقافي إكليل تطوان، 2024، منشورات باب الحكمة تطوان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.