كيف يراهن المغرب على الرقمنة لإنجاح كأس الأمم الإفريقية؟

0 172

كيف يراهن المغرب على الرقمنة لإنجاح كأس الأمم الإفريقية؟

– هاشمي بريس 

قبل أيام قليلة من انطلاق كأس الأمم الإفريقية، يسرّع المغرب وتيرة تنزيل منظومة رقمية متكاملة تروم تأطير التدفقات البشرية الكبيرة المرتقبة، وتحسين تجربة المشجعين، ورفع النجاعة التشغيلية لهذا الحدث القاري. ويؤكد الخبير في التحول الرقمي محسن بنخلدون أن نجاح البطولة يمر عبر تحقيق انسجام فعلي بين مجموعة من اللبنات التكنولوجية الجاهزة، التي يُنتظر أن تتعزز فعاليتها مع توالي الاختبارات الميدانية.

 

ويُبرز بنخلدون أن التحديات التقنية تتركز أساساً حول التعرف على الهوية وضبط الولوج الجماعي إلى الملاعب ومناطق المشجعين والفضاءات الرسمية، إلى جانب ضمان المزامنة بين مختلف الخدمات الرقمية، مثل التذاكر والاعتمادات والتنقل والتأشيرة الإلكترونية، فضلاً عن اختبار مرونة الأنظمة المعلوماتية وقدرتها على استيعاب ذروة الضغط المرتفع خلال المباريات الكبرى والتنقلات بين المدن.

 

وفي مواجهة هذه التحديات، اعتمد المغرب بنية رقمية مندمجة تعطي الأولوية للاتساق والتكامل بدل الاكتفاء بتجميع حلول متفرقة. ويحتل تطبيق “يلا” موقعاً محورياً داخل هذه المنظومة، باعتباره بوابة رقمية موحدة تجمع بطاقة المشجع والتأشيرة الإلكترونية المجانية والمعطيات اللوجستية، بهدف تأمين مسار منظم يتم فيه التعرف على هوية كل مشجع طيلة رحلته الرسمية.

 

ورغم هذه الأهمية، يشدد الخبير على ضرورة تسريع استقرار التطبيق وتحسين أدائه، مبرزاً أن التقييمات الأولية للمستخدمين تعكس تجربة لا تزال في حاجة إلى التطوير قبل انطلاق المنافسة، بما يعزز الثقة الرقمية لدى الجماهير ويجنب أي احتكاك محتمل يوم الحدث.

 

وتشكل منظومة التذاكر الرقمية بالكامل ركيزة أساسية أخرى، إذ تساهم في تقليص الاعتماد على الشبابيك التقليدية، وتُسهل انسيابية الولوج إلى الملاعب، وتحد من تداول السيولة النقدية، مع ربط مباشر بالهويات الرقمية. كما تُبسط هذه المنظومة مسار المشجعين الأجانب بفضل الربط مع التأشيرة الإلكترونية المجانية التي يتم الحصول عليها عبر التطبيق نفسه، حيث تُنجز أغلب الإجراءات قبل السفر.

 

وتتيح هذه الخدمات للمنظمين والسلطات العمومية تتبعاً دقيقاً للمعاملات والتنقلات، بما يعزز متطلبات الأمن والشفافية، ويفتح المجال أمام تحليلات معمقة تُستثمر في التقييم اللاحق للتظاهرة. وفي هذا السياق، يبرز الاستخدام المتزايد لحلول الذكاء الاصطناعي كرافعة إضافية، إذ تُمكّن من تحليل التدفقات السياحية والرياضية، وتحسين تدبير حركة المرور، وتطوير حلول أداء غير تلامسية، مع استباق حالات الازدحام اعتماداً على البيانات المجمعة.

 

ويأتي إطلاق تقنية الجيل الخامس في المدن الرئيسية المحتضنة للبطولة ليستكمل هذه البنية التحتية، حيث تتجاوز أهميتها مجرد رفع سرعة الاتصال إلى ضمان استيعاب عدد كبير من المستخدمين في الوقت نفسه، وهو عنصر حاسم في ظل الاستخدام المكثف لتطبيق “يلا” وخدمات التذاكر والتأشيرة وشبكات التواصل الاجتماعي خلال المباريات، مع الحفاظ على مستوى خدمة مستقر.

 

كما يتيح زمن الاستجابة المنخفض الذي توفره تقنية 5G دعماً تقنياً للإنتاج السمعي البصري عالي الجودة، بما في ذلك البث بتقنية HDR، وكاميرات “سبايدر”، وطائرات “الدرون” FPV، وخوادم التصوير البطيء فائق الدقة، مع ضمان تزامن الإشارة بين الملاعب والاستوديوهات والقنوات الناقلة الدولية، وفق المعايير المعتمدة عالمياً.

 

وتبرز المدفوعات الرقمية ورقمنة الخدمات كمحور هيكلي آخر في التحضيرات، لما توفره من انسيابية في المسارات وتحكم تشغيلي أفضل. فبالنسبة للجماهير، تقلص هذه الحلول الطوابير وتُسرّع الولوج إلى الملاعب ومناطق المشجعين ونقاط الخدمات، بينما تمكّن المنظمين من ربط كل معاملة مالية وكل عملية ولوج بهوية رقمية فريدة، ما يعزز مكافحة الاحتيال ويحسن قراءة القدرة الاستيعابية في الزمن الحقيقي.

 

وتُغذي هذه المعطيات أيضاً تحليلات ما بعد الحدث، خاصة في أفق تنظيم تظاهرات كبرى مستقبلاً، وعلى رأسها كأس العالم 2030، بما ينقل تنظيم البطولات من منطق بيع التذاكر إلى منطق مسارات رقمية مدمجة وشاملة.

 

وفي بعده الاستراتيجي، يشكل تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 رافعة قوية لتحفيز المنظومة الرقمية الوطنية، إذ يوفر واجهة بارزة للفاعلين المغاربة في مجالات البث والاتصال المتقدم، وللشركات الناشئة المتخصصة في الحلول الرقمية، عبر تقنيات مثل المنصات السحابية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الإنتاج المتطورة.

 

ويؤكد بنخلدون أن هذا الحدث يمثل مختبراً واسع النطاق للتجريب، بمستوى عالٍ من المتطلبات يساهم في رفع كفاءة القطاع ككل، مشدداً على ضرورة استدامة هذه الابتكارات بعد البطولة، من خلال إدماجها في الاستراتيجيات الحضرية، والحفاظ على البنى التحتية للاتصال، ووضع حكامة واضحة للبيانات، وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية في تدبير الحياة اليومية.

 

ويرى الخبير أن كأس الأمم الإفريقية 2025 قد تشكل محطة مفصلية ضمن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”، التي تضع الرقمنة في صلب التنافسية الوطنية وتحديث الخدمات، لتتحول البطولة من مجرد موعد رياضي إلى فرصة استراتيجية لتعزيز النضج الرقمي للمملكة وهيكلة الخدمات التي ستواكب كبريات التظاهرات والمدن المغربية خلال السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.