حفريات في أرشيف الدّم: قراءة في عتبات رواية “الغور المخفي” لشرف الدين عكري
حفريات في أرشيف الدّم: قراءة في عتبات رواية “الغور المخفي” لشرف الدين عكري

– كتابة: نوال بوزيدي
بعد المجموعة القصصية “إلى مهلكتي”، ورواية “سراديب الذاكرة” ورواية “فندق دمّاحة”، يطلّ علينا الكاتب شرف الدين عكري، في الموعد السنوي المعتاد، بروايته الجديدة “الغور المخفي” – الحائزة على جائزة توفيق بكّار للرّواية العربية، في دورتها الخامسة.
وما هو ملاحظ، وكما عوّدنا، فقد فتح أفقاً سردياً جديداً في مشروعه الأدبي، بحيث يؤكّد لنا أنّ التنوّع هو ميزة قلمه. وسأحاول من خلال هذه القراءة المتواضعة تسليط الضّوء على العتبات النّصية باعتبارها لمسة جديدة في مشروعه.
لا يكتفي الكاتب شرف الدين عكري، في روايته الصادرة حديثاً “الغور المخفي” بتشييد عالم سرديّ متخيّل، وإنّما يتجاوز ذلك من خلال فتح حوارٍ شائكٍ مع الذّاكرة التّاريخية عبر استراتيجية العتبات النصيّة، فبين دفتي الكتاب، تبرُزُ المقتطفات التاريخية المصدِّرة للنّصوص ككيان موازٍ لا يقلّ سطوة عن المتن الرّوائي نفسه، مُحوّلة بذلك فعل القراءة إلى عملية تنقيب في أركيولوجيا العنف والسلطة.
وعن طريق استحضار متون المؤرخين (كالناصري والزياني والقادري) وأقوال الفقهاء (كاليوسي)، يبرم الكاتب شرف الدين عكري معنا نحن القراء ميثاقاً، مفاده أن الغور الذي نحن بصدد سبر خباياه هو امتداد ل “لاوعي” تاريخي مشبع بالعنف والظلم. وينبّهنا إلى عدم اعتبار العتبات النّصية مجرّد زينة، أو اعتبار أسرار الغور مجرّد فنتازيا. كما يعلن أيضاً أنّ عملية اختيار العتبات هي انتقاء جراحي لأسوأ ما جاد به تاريخنا من قسوة، وبالتالي فهو يدفعنا لنستنتج أن النص الروائي الذي بين أيدينا هو صدىً لهذه الفظاعات.
تتوزّع عتبات الرواية بهندسة لافتة بين الفصول (الأول، الثالث، السادس)، بينما يغيب هذا الحضور في الفصول (الثاني، الرابع، الخامس)، وكأنّ الكاتب يمنح السّرد فرصة لالتقاط الأنفاس قبل العودة إلى جحيم الوثيقة.
تُهيمن على عتبات الفصلين الأوّل والسّادس صور فظيعة للانتهاك الجسدي، بلغة فيزيولوجية فجّة. كما أنّ الانتقال من (أكل اللحم وشرب الدم) عند اليوسي، إلى اقتصاد الرّؤوس (المثقال مقابل الرأس) عند الناصري، يكشف عن رؤية نقدية ترى في التاريخ مسرحاً لتشييء الإنسان، وسجلا للألم الجسدي. وبناءً على هذا فإنّ العتبة هنا تعمل كصدمة تنبيهية، تُجرّد السلطة من قدسيتها وتكشف عن وجهها الغريزي الذي يقتات على جثث الرّعية.
أمّا في الفصل الثّالث، فننتقل من نتائج الظلم إلى آلياته، فالعتبات التي تتحدث عن إفاضة المال على العلماء، توازياً مع تحكيم السّيف في الرّؤساء، تعكس براغماتية السلطة الغاشمة. ومن خلال هذا يُبرز الكاتب كيف يتم تطويع المقدّس (الشريعة والعلماء) لخدمة المدنّس (القتل والنهب).
إنّ العتبة هنا تفكّك مفهوم الهيبة لتكشف أنّها مزيج من الرعب المادي والإغراء المالي.
ويصل الأداء النقدي للعتبات ذروته، بالبيت الشعري للأعرابي الذي سُجن بواسط، ليختصر كلّ طموحات الإنسان في لحظة حرية بيولوجية بسيطة.
أين تكمن القيمة النقدية لعتبات “الغور المخفي”؟
إنّها تكمن في كونها خلقت نصاً موازياً يتّسمُ بالثبات التوثيقي، مقابل نص سردي يتّسم بالحركة والتخيّل. وقد تمكّن شرف الدين عكري من جعل هذه المقتطفات التاريخية بمثابة الجوقة في المسرح الإغريقي، التي تُعلّق على الأحداث وتمنحها عمقاً زمنياً يتجاوز اللّحظة الرّاهنة.
وبناء على ما سبق، يمكن القول إنّ “الغور المخفي” مخفي في أحداث الرواية، وقابع أيضاً في المسكوتات التي فضحتها العتبات: في الرّؤوس المقطوعة، وفي الرعايا المردومين في الكهوف، وفي الذاكرة الجريحة التي لا تزال تنزف دماً وتاريخاً. أمّا البطولة الحقيقية في “الغور المخفي” فهي، وبكل بساطة، القدرة على النجاة من مقصلة الحجاج الزماني.
