بقلوب يعتصرها الحزن والأسى: رحيل محمد أسوس، قامة إدارية وإنسانية تركت بصمة في سماء الصحراء وتطوان

0 476

صالح داهي .العيون

بقلوب يعتصرها الحزن والأسى، وبنفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة المشمول برحمة الله تعالى، الأخ والصديق محمد أسوس، المدير الجهوي السابق للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بجهة العيون الساقية الحمراء، والمدير السابق للسجن المحلي بتطوان، الذي وافته المنية بعد صراع طويل ومرير مع المرض، صراع خاضه بصبر وثبات، كما اعتاد أن يواجه الحياة.

رحيل محمد أسوس ليس مجرد فقد لرجل من رجال الإدارة، بل هو فقد لإنسان من طينة نادرة، قلّما يجود الزمان بمثله، رجل جمع بين الحزم في المسؤولية، واللين في المعاملة، والإنسانية في الأداء، والوفاء في السلوك. رجل أحب الناس، فأحبوه، خدم وطنه بإخلاص، فخلدوه في ذاكرة الصحراء وتطوان وكل من تعامل معه.
تدرج الفقيد في مناصب متعددة داخل المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وكان عنواناً للجدية والانضباط والتفاني في العمل. لم يكن المنصب عنده غاية، بل وسيلة لخدمة الوطن وخدمة الإنسان. في السجن المحلي بتطوان، عرفه الجميع بصرامته الإدارية المصحوبة بروح الأبوة، وحنكته في تسيير مؤسسة معقدة، تتطلب الحكمة وسعة الصدر. كان حاضراً مع الموظفين، قريباً من همومهم، مدافعاً عن حقوقهم، مشجعاً لكل مبادرة تهدف إلى تحسين ظروف العمل وظروف النزلاء على السواء.

وعندما انتقل إلى العيون الساقية الحمراء كمدير جهوي، كانت بصمته أوضح من أن تخفى. حضوره الفعّال، وسعيه الدائم إلى تجويد العمل الإداري، وتعزيز المقاربة الحقوقية داخل المؤسسات السجنية، جعله محط تقدير الجميع: زملاؤه في الإدارة، فعاليات المجتمع المدني، وحتى النزلاء الذين وجدوا فيه رجلاً يسمعهم، ويتفهم ظروفهم، ويؤمن بقدرتهم على التغيير.
قلّ أن تجد مسؤولاً تذكره ساكنة الصحراء المغربية بكل هذا الخير والدعاء. فقد كان محمد أسوس نموذجاً للمسؤول القريب من الناس، الذي لا يضع بينه وبينهم حواجز. كانت ابتسامته مفتاح قلبه، وتواضعه مدخلاً إلى نفوس كل من التقى به. كان يرى في منصبه وسيلة لخدمة الناس، لا وسيلة للسلطة أو النفوذ. ولذا، ظل حاضراً في قلوب الجميع، حتى بعد أن اشتد عليه المرض وغاب عن الأعين، لم يغب عن الدعاء، ولم تغب سيرته عن المجالس.
عانى المرحوم محمد أسوس من مرض عضال لم يثنه عن أداء واجبه، ولم يغير من طباعه شيئاً. ظل متماسكاً، صبوراً، مؤمناً، يواجه الألم كما كان يواجه التحديات المهنية: بثبات الرجال ورضى المؤمنين. ولأن الله يختار من عباده الأخيار، فقد اختاره إلى جواره، بعد رحلة عطاء زاخرة، وسيرة طيبة لا ينكرها إلا جاحد.
إن الحديث عن محمد أسوس ليس تأبينا فقط، بل هو شهادة في رجل عاش نظيف اليد، طيب السيرة، كريم النفس. رجلٌ لن تنساه تطوان، ولن تنساه الصحراء، ولن ينساه كل من عمل معه أو تتلمذ على يده. لقد ترك لنا مثالاً يُحتذى في النزاهة، والعمل الجاد، وحب الوطن، واحترام الإنسان.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل ما قدمه في ميزان حسناته. ونسأل الله أن يرزق أهله وذويه وكل محبيه الصبر والسلوان، وأن يظل ذكراه منارة تلهم الأجيال القادمة.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.