أطفال في قبضة التسوّل.. براءة مسلُوبة وسُلوكيات مرفوضة

– هاشمي بريس
– مراسلة وتحرير / محمد رضا المرابط
في مشهدٍ بات مألوفًا ومُقلقًا في آنٍ واحد، تغزو ظاهرة التسوّل بالأطفال شوارع ومقاهي ومطاعم مدينة المضيق، حاملةً في طياتها تساؤلاتٍ مؤلمة حول مصير الطفولة، ودور الأسرة، ومسؤولية المجتمع والمؤسّسات.
ففي زوايا المقاهي وعلى أرصفة المطاعم، يتجول أطفال صِغار، بالكاد تجاوزوا سنواتهم العشر الأولى، محمّلين بأكياس المناديل الورقية أو بضع حبّات من الحلوى، يُقدّمونها للزبائن بطريقة توحي بالاستعطاف أكثر مما توحي برغبة في البيع، فعندما تفشل عملية البيع المفبرك وعدم الحصول على دريهمات معدودة، ينتقل الأطفال للخطوة الموالية والتي لا يكون دافعها الحصول على الأكل بقدر ما يكون هدفها إرباك راحة الزوار وعلى سبيل المثال “عَمُّو دُوّقْنِي.. عْطِينِي الحلوى.. عْطِينِي الحُوتَة”. لتبقى المسؤولية كاملةً لأسر هؤلاء الأطفال بالدرجة الأولى، حيث يتم استغلالهم في ظاهرة أصبحت محور نقاشات عميقة، فالشخص الحقيقي المحتاج لا يضع نفسه في مواقف كهذه ويخجلُ حتى من نفسه، فالكرامة أكبر بكثير من أية مذلة.
بلا شك، هو سلوك احتيالي لا يخلُو من استغلالٍ فجٍّ لبراءة الطفولة وتوريطها في مشاهد التسول المُقنّع، وسط صمت كثير من الجهات المعنية.
واللافت للانتباه أن هذه الظاهرة لا تنبع فقط من الفقر أو الحاجة، بل من توظيف مُباشر من بعض أولياء الأمور الذين يدفعون بأطفالهم إلى الشارع، إن كانوا أصلاً آباءهم، وأحيانًا حتى في ساعات متأخرة من الليل، في سلوك غير مسؤول يُكرّس لثقافة التسوّل ويعرض الأطفال لمخاطر جسيمة، منها التحرش والاستغلال والعنف.
من جهتهم، عبّر زبائن كُثر لانزعاجِهم من هذا الإرباك المتكرر داخل الفضاءات العمومية، حيث يجدون أنفسهم مُحاصَرِين بنداءات متكررة تقطع عليهم لحظات الاستجمام، والتغذية، وتترك لديهم إحساسًا بالعجز أمام استغلال الطفولة بهذا الشكل المؤلم.
وأمام استفحال هذه الظاهرة الدخيلة على نسيج المدينة، توجّه أصوات من المجتمع نداءً صريحًا إلى السلطات المحلية وجمعيات حماية الطفولة، من أجل التدخل العاجل لوقف هذا النزيف الإنساني، والتحرّي في خلفيات هذه الممارسات التي قد تتخذ طابعًا مُنظمًا أو حتى شبكيًا في بعض الحالات.
إن الطفولة ليست سِلعةً، وليست وسيلةً للكسب السريع، بل هي عهدٌ ومسؤولية، وعلى المجتمع بكافة أطيافِه أن يتحرّك لحمايتها من كل أشكال الاستغلال والانتهاك، كل من موقعه ومسؤوليته، فالتسول بالأطفال ليس فقط انتهاكًا لحقوقهم، بل هو طَعنةٌ في ضمير مدينة بأكملها ووطنٍ بحُرمتِه.
