مستشفى دار بن قريش: معلمة الشمال التي أكلها النسيان
مستشفى دار بن قريش: معلمة الشمال التي أكلها النسيان

– هاشمي بريس
يُعدّ مستشفى دار بن قريش للأمراض الصدرية في إقليم تطوان شاهداً حياً على مرحلة تاريخية مهمة من الرعاية الصحية في شمال المغرب. تأسست هذه المعلمة الاستشفائية العريقة في الأربعينيات من القرن الماضي (تحديداً حوالي عام 1946)، خلال فترة الحماية الإسبانية، واختير موقعها الاستراتيجي في الجماعة القروية بن قريش بعناية فائقة، نظراً لتمتعه بمناخ جاف وهواء نقي يعد عاملاً مساعداً وأساسياً في علاج أمراض الجهاز التنفسي وداء السل، وهي الأمراض الفتاكة التي كانت منتشرة آنذاك.
ممرضات بـ”اللباس الأبيض”: دور الراهبات الإسبانيات
لم تقتصر أهمية المستشفى على موقعه وتجهيزاته المتطورة في زمنه، بل امتدت لتشمل الطاقم المشرف على رعاية المرضى. كان جزء كبير من هذا الطاقم يتكون من المربيات الراهبات الإسبانيات، اللواتي لعبن دوراً محورياً في مسار علاج المرضى. في الواقع، تطوع المئات من هؤلاء الراهبات، كممرضات ومساعدات، منذ تشييد المستشفى، وكن يُعرفن بارتدائهن اللباس الأبيض الناصع. بالتأكيد، تجاوز دورهن العمل الطبي البحت، حيث مثلن عاملاً نفسياً مهماً، لِما عرفن به من حسن الاستقبال والاعتناء الشامل بالمرضى، ما ساهم في تسريع شفائهم.
كانت الطاقة الاستيعابية للمستشفى تصل إلى نحو 314 سريراً موزعة على طوابقه الثلاثة، ليصبح وجهة مثالية تستقطب مرضى الرئة والصدر من مختلف مناطق شمال المغرب، ومن المدن المجاورة مثل الحسيمة وشفشاون، بل امتد تأثيره ليستقبل مرضى أجانب، بما في ذلك القادمين من سبتة المحتلة.
النكوص عن التنمية: إغلاق الخدمات والنسيان
بعد عقود من الخدمة الإنسانية الفعالة، بدأ بريق هذا الصرح يخبو تدريجياً. للأسف، بدأت طاقته الاستيعابية تتدهور إلى نحو 150 سريراً في مرحلة لاحقة، ومن ثم إلى بضعة أسرة فقط، وذلك نتيجة مباشرة لتفاقم الإهمال وقلة الموارد البشرية وتوقف أعمال الصيانة.
بلغ التدهور ذروته مع تدني مستوى الخدمات بشكل كبير، وشمل ذلك تلف أجنحة وغرف المستشفى، ونقص التجهيزات الحيوية كجهاز الفحص بالأشعة، وتضرر المرافق الأساسية كقنوات الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب. وعليه، اتخذت آخر ثلاث راهبات إسبانيات، كن يقدمن خدمات تطوعية لما يفوق الخمسين عاماً، قرار المغادرة النهائية للمستشفى في عام 2015، بعد أن شهدن تردي الأوضاع ورفض جهات الوصاية آنذاك ترميم المستشفى أو إصلاحه.
خيبة الأمل ومشروع الإصلاح المعلق
مع مرور الوقت، تحول المستشفى من متنفس علاجي إلى مجرد هيكل مهجور، وأضحى رمزاً للنسيان على الرغم من موقعه الاستراتيجي الذي لا يُعوض لمرضى الصدر. على الرغم من كل ذلك، لم تنطفئ المطالب الشعبية بإعادة الروح لهذه المعلمة التاريخية. وفي هذا السياق، دخل المستشفى في مرحلة أشغال “هدم وترميم” منذ سنوات، لكن هذه الأشغال تعثرت بشكل مستمر.
نتيجة لهذا التعثر، نُقلت خدمات علاج أمراض الصدر قسراً إلى منشأة أخرى وسط المدينة، وتحديداً في منطقة “باب التوت”. غير أن هذا الموقع البديل لا يتمتع بخصائص بن قريش العلاجية، حيث يُعرف بارتفاع مستوى التلوث فيه، ما يتنافى مع متطلبات علاج الأمراض التنفسية. في النهاية، تبقى ساكنة تطوان وعموم الشمال تضع آمالها في إعادة إحياء هذه المعلمة الاستشفائية النادرة التي تملك تاريخاً عظيماً ودوراً حيوياً.
