السينما كذاكرة للهيمنة… قراءة في كتاب “السينما الكولونيالية في شمال المغرب، محاولة للتأريخ”

0 17

السينما كذاكرة للهيمنة… قراءة في كتاب “السينما الكولونيالية في شمال المغرب، محاولة للتأريخ”

– للدكتور محمد سعيد الدردابي
– بقلم هشام الحداد

يأتي كتاب «السينما الكولونيالية في شمال المغرب: محاولة للتأريخ» للدكتور محمد سعيد الدردابي، ليسد فراغا معرفيا طالما ظل هامشيا داخل الدراسات السينمائية والتاريخية على حد سواء. فالعمل لا يكتفي باستعادة مادة أرشيفية منسية، بل يقدم قراءة نقدية عميقة للصورة السينمائية بوصفها أداة للهيمنة الرمزية وإعادة تشكيل الوعي.

السينما كذاكرة للهيمنة
السينما كذاكرة للهيمنة

ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن السينما الكولونيالية لم تكن مجرد إنتاج بصري بريء أو توثيق محايد، بل كانت جهازا إيديولوجيا اشتغل على ترسيخ خطاب استعماري، قائم على ثنائية التفوق/الدونية، والتمدين/البدائية. ومن خلال هذا المنظور، يعيد المؤلف الاعتبار لهذه الأفلام، ليس بوصفها بقايا أرشيفية، بل باعتبارها نصوصا بصرية مشحونة بالدلالات، تستحق التفكيك والتحليل.


ما يميز هذا العمل هو اعتماده مقاربة متعددة التخصصات، تمزج بين التحليل السيميائي، والنقد الثقافي، والقراءة التاريخية. هذه المقاربة تمكن الكاتب من تجاوز السرد الوصفي، نحو مساءلة عميقة للبنيات السردية والرمزية التي قامت عليها الأفلام الكولونيالية، وكيف ساهمت في بناء صورة نمطية عن المغرب، خاصة في منطقته الشمالية، باعتباره فضاء غرائبيا، خارج التاريخ، يحتاج إلى مهمة تحضيرية استعمارية.
وفي هذا السياق، يكشف الكتاب كيف تم توظيف السينما كأداة دعائية موازية للآلة العسكرية، حيث لم تقتصر وظيفة الصورة على التوثيق، بل تجاوزتها إلى تبرير الاحتلال وتلميع صورته أمام الرأي العام الأوروبي، بل وحتى أمام الشعوب المستعمَرة نفسها. لقد كانت الكاميرا، كما يبين المؤلف، امتدادا للمدفع، تؤدي وظيفة لا تقل خطورة في تشكيل المخيال الجماعي.
غير أن قوة الكتاب لا تكمن فقط في تشخيصه للخطاب الكولونيالي، بل أيضا في إبراز التوترات الداخلية التي تكشفها هذه الأفلام ذاتها. فبدل أن تكون تعبيرا متماسكا عن سلطة مطلقة، تظهر أحيانا كمرآة لقلق المستعمِر، وارتباكه، بل وحتى شعوره الضمني بالذنب. وهو ما يمنح هذه المادة البصرية بعدا تأويليا مركبا، يتجاوز القراءة الأحادية.
كما يقدم العمل تأريخا دقيقا لمراحل تشكل السينما الكولونيالية في المغرب، منذ البدايات الأولى مع نهاية القرن التاسع عشر، مرورا بفترة الحماية، حيث رافقت الكاميرا الحملات العسكرية، ووثقت لحظات العنف والاحتلال من زاوية المنتصر. ويكشف هذا التأريخ كيف أن الصورة لم تكن فقط شاهدة على الحدث، بل فاعلا في صياغته وتأويله.
لغة الكتاب تتسم بالدقة والعمق، دون أن تسقط في تعقيد مفرط، ما يجعله قابلا للقراءة من طرف جمهور أكاديمي وواسع في الآن ذاته. كما أن جرأة المؤلف في مساءلة المسكوت عنه، وإعادة النظر في تمثلات راسخة، تمنح العمل قيمة فكرية مضافة، تجعله إسهاما نوعيا في دراسات ما بعد الاستعمار.
في المحصلة، لا يقدم هذا الكتاب مجرد دراسة في تاريخ السينما، بل يفتح أفقا للتفكير في علاقة الصورة بالسلطة، وفي كيفية تشكل الذاكرة الجماعية عبر الوسائط البصرية. إنه دعوة إلى قراءة الأرشيف بعين نقدية، وإلى تحرير الصورة من براءتها المزعومة، باعتبارها فاعلا أساسيا في كتابة التاريخ، لا مجرد انعكاس له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.