” ابن الفحم”.. سيرة ذاتية تقاطع بين قسوة الحياة ووفاء الإنسان لجذوره
” ابن الفحم”.. سيرة ذاتية تقاطع بين قسوة الحياة ووفاء الإنسان لجذوره

✍️ هاشمي بريس
أصدرت دار الخيام للنشر والتوزيع حديثا مؤلفا جديدا يحمل عنوان “ابن الفحم: من ابن عامل منجم إلى عامل عمالة”، وهو عبارة عن سيرة ذاتية ترصد مسار الكاتب والمسؤول الإداري عبد الكريم حامدي. يغوص هذا الإصدار في أعماق تجربة إنسانية فريدة، حيث ينقل القارئ من عتمة مناجم الفحم إلى رحاب الإدارة الترابية. وتتجاوز صفحات هذا الكتاب مجرد السرد التقليدي لتراتبية المناصب، لتقدم للمتلقي سيرة ذاكرة حية ونابضة، توثق حكاية طفل شق طريقه بإصرار وسط غبار الفحم وصفارات الإنذار.

علاوة على ذلك، يجسد الكتاب رحلة كفاح ملهمة انطلقت من قلب مدينة جرادة وحاسي بلال، حيث اختلطت قسوة الحياة في المناجم بدفء العلاقات الإنسانية. هناك، حيث كان الفحم يطبع الوجوه بلونه الداكن والسعال يرافق العمال بصمت، كبرت أحلام الطفل لتتجاوز ضيق المكان. وتتقاطع في هذه السيرة محطات حياتية متعددة، تدمج بين براءة الطفولة، وشقاء المنجم، وطموح التحصيل العلمي، وصولا إلى تحديات التسيير الإداري، مع الاحتفاظ بوفاء عميق للجذور الأصلية.

وفي سياق متصل، يستمد الكاتب مادته السردية الغنية من مساره الشخصي الحافل والمتميز. فقد رأى عبد الكريم حامدي النور بمنطقة قنفودة، وتدرج في تعليمه الأساسي والثانوي بين حاسي بلال وجرادة، قبل أن يتوج مساره الأكاديمي بالحصول على الإجازة في الحقوق ضمن شعبة القانون العام، تخصص الإدارة المحلية، من جامعة محمد الأول بوجدة. ولم يتوقف طموحه العلمي والمهني عند هذا الحد، بل التحق بمدرسة استكمال تكوين الإطارات التابعة لوزارة الداخلية بالقنيطرة، التي تعرف اليوم بالمعهد الملكي للإدارة الترابية.

ونتيجة لهذا التكوين الأكاديمي والإداري الرصين، تدرج حامدي بنجاح في أسلاك السلطة وتولى مسؤوليات جسيمة ومختلفة. فقد تقلد مهام قائد، ثم رئيس دائرة، وباشا، ليبلغ في مساره منصب عامل عمالة المضيق الفنيدق. ورغم هذا الارتقاء المهني والاجتماعي البارز، يظل الكاتب متمسكا بأصوله الأولى، ليؤكد من خلال مؤلفه الجديد أن الإنسان مهما ابتعد جغرافيا أو تعلت مراتبه المهنية، يبقى دائما ابن بيئته الأصلية ووريث ذاكرة تأبى النسيان
