يقظة لا تنام في بليونش.. الدرك الملكي يشدد الخناق على شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية ويخوض حربا استباقية على المهربين

0 25

يقظة لا تنام في بليونش.. الدرك الملكي يشدد الخناق على شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية ويخوض حربا استباقية على المهربين

✍️  ️هاشمي بريس

في أقصى شمال المملكة، وعلى مقربة من الحدود المؤقتة لمدينة سبتة المحتلة، تفرض منطقة بليونش نفسها كواحدة من أكثر النقاط حساسية في منظومة التصدي للهجرة غير النظامية وشبكات تهريب البشر. تضاريس جبلية وعرة، مسالك غابوية متشعبة، وقرب جغرافي من الحدود، كلها عوامل تجعل المنطقة أمام تحديات أمنية متواصلة.

وفي مواجهة هذه التحديات، يواصل الدرك الملكي حضوره الميداني المكثف، واضعًا المنطقة تحت مراقبة أمنية مستمرة، من خلال الانتشار على المحاور المؤدية إلى بليونش والمناطق المجاورة، وتعزيز الدوريات ونقاط المراقبة وتمشيط المسالك التي يمكن أن تستغلها شبكات الهجرة غير النظامية.

* الدرك الملكي.. حضور ميداني لا يعرف التوقف

العمل الأمني في بليونش لا يرتبط بظرف معين أو بمحاولات عبور محددة، بل يقوم على يقظة مستمرة واستعداد دائم للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.

وتعمل مصالح الدرك الملكي على مراقبة المجال الترابي للمنطقة، وتتبع التحركات المشبوهة، وتمشيط المسالك الجبلية والغابوية والمناطق النائية، إلى جانب مراقبة المحاور الطرقية التي قد تستعمل لنقل المرشحين للهجرة نحو المناطق الحدودية.

وتتطلب هذه المهمة مجهودًا ميدانيًا كبيرًا، بالنظر إلى طبيعة المنطقة وتضاريسها الصعبة، وهو ما يجعل عمل عناصر الدرك الملكي يتجاوز مجرد الحضور الأمني الظاهر إلى عمليات مراقبة وتمشيط واستباق متواصلة.

فالهدف ليس انتظار وصول محاولات الهجرة إلى السياج الحدودي، وإنما العمل على رصدها وإحباطها في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول إلى تجمعات كبيرة أو عمليات اقتحام قد تهدد سلامة الأشخاص والأمن العام.

* حرب استباقية تبدأ قبل الوصول إلى الحدود

المقاربة المعتمدة في المنطقة تقوم أساسًا على مبدأ الاستباق.

فبدل الاقتصار على التدخل عند وقوع المحاولة، يتم التركيز على قطع الطريق أمام المرشحين للهجرة منذ لحظة اقترابهم من المنطقة، ومراقبة المسارات والمحاور التي يمكن أن تقودهم إلى بليونش والفنيدق والمناطق الحدودية.

وتبرز هنا أهمية الدور الذي تضطلع به عناصر الدرك الملكي في مراقبة الطرق والمسالك، إلى جانب جمع واستثمار المعلومات الميدانية التي تساعد على تحديد التحركات غير الاعتيادية وتوجيه التدخلات الأمنية في الوقت المناسب.

وتكشف العمليات المنجزة في هذا الإطار أن المواجهة لا تقتصر على التعامل مع الأشخاص الذين يحاولون العبور، وإنما تمتد إلى البحث عن الجهات التي تقف خلف تنظيم هذه التحركات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالنقل أو التسهيل أو توفير الدعم اللوجستي.

* من الأرض إلى السماء.. منظومة مراقبة متعددة المستويات

ومع صعوبة التضاريس واتساع المجال الجغرافي، أصبحت الوسائل التقنية عنصرًا مهمًا في دعم العمل الميداني للدرك الملكي.

وتساهم وسائل الاستطلاع والمراقبة الجوية، بما فيها المروحيات والطائرات بدون طيار، في تعزيز القدرة على مراقبة المناطق الجبلية والغابوية ورصد التحركات في المواقع التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.

وتسمح هذه الوسائل بتوسيع نطاق المراقبة ودعم الوحدات المنتشرة على الأرض، بما يساعد على تحديد المواقع التي تستدعي التدخل وتوجيه العناصر الميدانية نحوها بسرعة أكبر.

وهكذا، لم تعد المراقبة الأمنية في بليونش تعتمد على الدوريات الأرضية فقط، بل أصبحت تستند إلى منظومة متكاملة تجمع بين العنصر البشري والخبرة الميدانية ووسائل الاستطلاع الحديثة.

* الدرك لا يراقب الحدود فقط.. بل يلاحق الشبكات

أحد أهم أوجه العمل الأمني في مواجهة الهجرة غير النظامية يتمثل في الانتقال من التعامل مع النتيجة إلى استهداف الأسباب والشبكات التي تقف وراءها.

فشبكات تهريب البشر تعتمد في بعض الحالات على النقل وتوفير الدعم اللوجستي والتنسيق بين المرشحين للهجرة، وهو ما يجعل تفكيك هذه الشبكات جزءًا أساسيًا من العمل الاستباقي.

وفي هذا السياق، تشكل المحاور الطرقية المؤدية إلى المناطق الشمالية مجالًا مهمًا للمراقبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنقل مجموعات من الأشخاص من مدن بعيدة باتجاه المناطق الحدودية.

وتقدم العملية الأمنية التي جرت يوم 28 يوليوز 2026 مثالًا على هذه المقاربة، بعدما تمكنت عناصر الدرك الملكي من اعتراض حافلة لنقل المسافرين على مستوى الطريق السيار الرابط بين تطوان والفنيدق، وعلى متنها 36 شخصًا من المرشحين للهجرة غير النظامية، قادمين من مدينة الدار البيضاء.

وقد تم إخضاع المعنيين بالأمر للإجراءات القانونية، مع فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، بهدف تحديد ملابسات القضية والكشف عن مختلف المتورطين المحتملين.

وتبرز أهمية هذه العملية في كونها أوقفت التحرك قبل وصول المجموعة إلى المجال الحدودي، بما يعكس أهمية العمل الاستباقي الذي يسمح بإحباط المحاولة قبل وصولها إلى مرحلة أكثر خطورة.

* يقظة تمتد إلى الفضاء الرقمي

التحدي لم يعد موجودًا على الأرض فقط.

فالتطور الكبير في وسائل التواصل والتراسل الفوري جعل الفضاء الرقمي أحد المجالات التي تستغلها بعض شبكات الهجرة غير النظامية للتنسيق والتواصل وتبادل المعلومات المتعلقة بالتنقل ونقاط التجمع ومسارات الوصول.

وأمام هذا التطور، أصبحت مواجهة الظاهرة تتطلب كذلك متابعة المعطيات المرتبطة بهذه الأنشطة، بما يسمح بتحديد التحركات المنظمة والجهات التي تقف خلفها، وفق الاختصاصات والإجراءات القانونية المعمول بها.

وهنا تبرز أهمية العمل الاستخباراتي والمعلوماتي باعتباره أحد المكونات الأساسية للعمل الأمني الاستباقي.

* تنسيق أمني ومؤسساتي في منطقة شديدة الحساسية

رغم أن الدرك الملكي يوجد في صدارة العمل الميداني بالعديد من المجالات التابعة لاختصاصه، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية في منطقة بهذه الحساسية لا يمكن أن تقوم على جهاز واحد بمعزل عن باقي المؤسسات.

فالتحدي يفرض تنسيقًا بين مختلف المصالح الأمنية والسلطات المختصة، كل حسب اختصاصه، بما يسمح بتبادل المعلومات وتعزيز المراقبة والتدخل عند الحاجة.

ويكتسي هذا التنسيق أهمية خاصة في منطقة بليونش والمناطق المحيطة بها، بالنظر إلى قربها من الحدود المؤقتة لسبتة المحتلة وطبيعة المجال الجغرافي الذي يتطلب سرعة في رصد التحركات والتعامل معها.

* بليونش.. اختبار دائم للجاهزية الأمنية

العمل في بليونش ليس مهمة سهلة.

فالتضاريس الجبلية والغابات والمسالك الوعرة تفرض على عناصر الدرك الملكي جاهزية عالية وقدرة على التحرك في ظروف ميدانية معقدة، فضلًا عن ضرورة المحافظة على اليقظة على مدار الساعة.

ومن هنا، فإن حجم المجهود المبذول لا يقاس فقط بعدد العمليات التي يتم الإعلان عنها، وإنما أيضًا بساعات الانتشار والمراقبة والتمشيط وتتبع التحركات وتأمين المحاور والمسالك التي قد تستغل في عمليات الهجرة غير النظامية.

إنها مهمة أمنية متواصلة، تتطلب انضباطًا ميدانيًا واستعدادًا دائمًا وسرعة في اتخاذ القرار والتدخل.

* حين يصبح الاستباق خط الدفاع الأول

المعادلة الأمنية في بليونش واضحة: كلما تم إحباط التحرك في مراحله الأولى، تراجعت احتمالات وصوله إلى الحدود وتحوله إلى محاولة جماعية قد تكون لها عواقب خطيرة.

ولهذا، فإن المجهود الذي تبذله عناصر الدرك الملكي لا يقتصر على منع العبور، وإنما يهدف قبل ذلك إلى منع الوصول إلى مرحلة العبور أصلًا.

ومن مراقبة الطرق والمسالك، إلى تمشيط المناطق الجبلية والغابوية، مرورًا بالاستطلاع الجوي واستثمار المعلومات الميدانية، وصولًا إلى اعتراض وسائل النقل التي تحمل مرشحين للهجرة، تتشكل منظومة أمنية هدفها الأساسي هو الاستباق.

* الدرك الملكي في الخط الأمامي

في بليونش، تبدو المعركة الأمنية ضد الهجرة غير النظامية معركة متعددة المستويات، لكن الدرك الملكي يظل في صدارة الجهد الميداني، بحضور متواصل واستعداد دائم وقدرة على التحرك في واحد من أكثر المجالات الجغرافية حساسية في شمال المملكة.

إن حماية هذه المنطقة لا تعني فقط مراقبة نقطة حدودية، وإنما تأمين مجال واسع ومعقد، والتعامل مع شبكات تتحول باستمرار وتبحث عن مسارات جديدة وأساليب مختلفة.

ومع تطور أساليب شبكات تهريب البشر، تتطور بالمقابل وسائل الرصد والمراقبة والاستباق.

وهكذا، تتحول بليونش إلى نموذج للعمل الأمني الذي يجمع بين الحضور الميداني والمعلومة والاستطلاع والتدخل السريع والتنسيق المؤسساتي، في وقت يواصل فيه رجال الدرك الملكي أداء مهامهم في ظروف ميدانية تتطلب يقظة متواصلة واستعدادًا لا ينقطع.

وفي النهاية، فإن الصورة التي ترسمها المجهودات الأمنية المتواصلة في بليونش واضحة: حدود تحت المراقبة، مسالك يجري تمشيطها، تحركات يتم رصدها، وشبكات تتم ملاحقتها قبل أن تتمكن من الوصول إلى هدفها.

إنها حرب استباقية عنوانها اليقظة، وسلاحها المعلومة، وركيزتها الحضور الميداني، فيما يبقى الدرك الملكي في الخط الأمامي لحماية المنطقة وتأمين محيطها والتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب البشر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.