مشروع قانون المحاماة يثير جدلا حقوقيا وسياسيا حول استقلالية الدفاع

0 60

مشروع قانون المحاماة يثير جدلا حقوقيا وسياسيا حول استقلالية الدفاع

–  هاشمي بريس

تحول مشروع القانون رقم 66-23 المتعلق بمهنة المحاماة إلى محور نقاش حقوقي وسياسي متصاعد، خلال ندوة وطنية احتضنها المقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية بالرباط، أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية مرتبطة بمستقبل مهنة الدفاع، وحدود استقلاليتها، وانعكاسات النص التشريعي المقترح على منظومة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.

www.manadgerhost.com

الندوة، التي نظمها قطاع المحاماة التابع للحزب، لم تتعامل مع المشروع من زاوية تنظيمية ضيقة، بل اعتبرتها محطة إنذار تشريعي في سياق اقتراب النص من مراحل الحسم، حيث عبّر المشاركون عن قلق متزايد داخل أسرة الدفاع، نتيجة قراءة متأنية لمضامين قانون يُخشى أن يحمل توجها تقييديا يمس جوهر المهنة، تحت غطاء التحديث والتنظيم.

وانطلق النقاش من تفكيك الفلسفة العامة للمشروع، إذ شدد المتدخلون على أن الإشكال لا يقتصر على مواد بعينها أو صياغات تقنية، بل يرتبط بالمنطق العام المؤطر للنص، والذي يميل، بحسبهم، إلى تكريس الضبط الإداري والوصاية غير المباشرة، على حساب مبدأ الاستقلال والمسؤولية الذاتية، باعتبارهما من الركائز الأساسية لمهنة المحاماة في الدول الديمقراطية.

وفي هذا السياق، قدم عدد من النقباء والمحامين ذوي التجربة، من بينهم عبد الرحيم الجامعي وعلال البصراوي وعزيز رويبح، إلى جانب الأستاذ كريم نايتلحو، مداخلات وُصفت بالصريحة، حذروا خلالها من ثغرات بنيوية في المشروع، ومن تداعيات محتملة على توازن منظومة العدالة، وعلى الدور الدستوري للمحامي كفاعل مستقل وشريك أساسي في تحقيق العدالة.

ومع توالي المداخلات، برز تشكيك واضح في الخطاب الذي يسوق المشروع تحت عناوين الإصلاح والتحديث، حيث طُرحت تساؤلات جوهرية حول جدوى أي إصلاح قد يُفضي إلى دفاع أقل استقلالية، وأضعف قدرة على حماية حقوق المتقاضين، وهو ما جعل النقاش يتجاوز البعد المهني ليطال صلب العلاقة بين التشريع والحقوق والحريات.

وفي كلمة سياسية خلال الندوة، أكد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن تحصين مهنة المحاماة يشكل جزءا لا يتجزأ من تحصين المسار الديمقراطي، معتبرا أن أي مساس باستقلالية الدفاع لا ينعكس فقط على المحامين، بل يؤثر على ثقة المواطنين في العدالة وعلى صورة الدولة ومصداقية مؤسساتها.

وبهذا المنظور، لم يُطرح مشروع القانون 66-23 باعتباره خلافا تقنيا أو صراعا فئويا، بل كاختبار حقيقي لمدى استعداد السلطتين التشريعية والتنفيذية للإنصات إلى الفاعلين المهنيين، واعتماد مقاربة تشاركية في إعداد القوانين المرتبطة مباشرة بالحقوق والحريات. وهو ما عبّر عنه المحامي والحقوقي هشام بوعنان، مؤكدا أن القوانين لا تُقاس بسرعة تمريرها، بل بقدرتها على الصمود أمام الزمن والاختبار الديمقراطي.

واختتمت أشغال الندوة بتكريم رمزي لعدد من الوجوه التي بصمت تاريخ مهنة المحاماة والنضال الديمقراطي، في رسالة تؤكد أن النقاش الراهن ليس معزولا عن مسار طويل من الدفاع عن استقلال المهنة، وأن ما يجري اليوم يشكل امتدادا لمعركة قديمة بأدوات جديدة ورهانات أكثر تعقيدا.

ويخلص متابعو هذا الملف إلى أن تمرير مشروع القانون 66-23 بصيغته الحالية قد لا يُسجل كإنجاز تشريعي، بقدر ما قد يُنظر إليه كمنعطف مقلق في مسار العدالة، ما لم يتم التفاعل مع التحفظات التي عبّر عنها الجسم المهني، إذ يظل الدفاع عن المحاماة، في جوهره، دفاعا عن العدالة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.