في ذكرى المولد النبوي الشريف.. استحضار علماء سبتة ومليلية والرابط الديني يدل على السيادة المغربية رغم الاحتلال
في ذكرى المولد النبوي الشريف.. استحضار علماء سبتة ومليلية والرابط الديني يدل على السيادة المغربية رغم الاحتلال

✍️ هفتي ضرار /رأي
في ذكرى المولد النبوي الشريف، وفي مناسبة دينية مهيبة يترأسها أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تتجدد العناية المولوية بالعلماء باعتبارهم حملة العلم وحماة الثوابت الدينية وواحدا من أهم جسور الذاكرة الروحية للأمة المغربية. ومن هذه الزاوية، يكتسب استحضار علماء سبتة ومليلية، المدينتين المحتلتين، أهمية خاصة، لأنه يستعيد الرابط الديني والعلمي بين المدينتين والمجال الحضاري المغربي.
لقد أولى جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده عناية خاصة بالعلماء وبالمؤسسات الدينية وبإصلاح الحقل الديني، انطلاقا من المكانة التي يحتلها العلماء في صيانة الثوابت وترسيخ التدين المغربي القائم على الوسطية والاعتدال. وتندرج ضمن هذا التصور مشاريع تأهيل الأئمة والمرشدين وتجديد الخطاب الديني، بما يجعل العلم الديني مرتبطا بحاجات المجتمع وبالقيم والسلوك والعمل الصالح.
وهذه العناية المولوية بالعلماء تنسجم مع مكانة إمارة المؤمنين في النموذج الديني المغربي، حيث ارتبطت تاريخيا بحماية الدين وصيانة الشعائر والحفاظ على وحدة المرجعية الدينية. ويأتي المذهب المالكي في قلب هذه المرجعية، إلى جانب العقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي مكونات أسهم العلماء عبر القرون في ترسيخها ونقلها بين الأجيال.
ومن هنا تبرز أهمية علماء سبتة ومليلية. فسبتة، على وجه الخصوص، كانت حاضرة علمية بارزة في الغرب الإسلامي، وشهدت حركة علمية وفقهية وفكرية ارتبطت بالمذهب المالكي. وقد أفردت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية مواد خاصة لجهود علماء سبتة في خدمة المذهب المالكي، بما يؤكد أن حضور المدينة في تاريخ العلم والفقه جزء من الذاكرة العلمية المغربية.
ويأتي القاضي عياض اليحصبي السبتي في مقدمة هذه الذاكرة العلمية. فهو من كبار أعلام سبتة والمغرب الإسلامي، وارتبط اسمه بالفقه المالكي والحديث والقضاء والتأليف. كما أن كتابه «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» يمثل أحد أبرز الشواهد على عمق حضور المدرسة المالكية في المجال العلمي الذي نشأ فيه.
ولا تقف أهمية هذه الذاكرة عند علماء الماضي. فاستمرار وجود الأئمة والفاعلين في المجال الديني داخل سبتة ومليلية اليوم يمثل، من حيث المبدأ، امتدادا للحياة الدينية التي عرفتها المدينتان عبر التاريخ. ولا يتعلق الأمر هنا بإسناد مواقف سياسية محددة إلى علماء معاصرين، وإنما بالإشارة إلى استمرار حضور الدين والعلم والممارسة الإسلامية في المدينتين.
وهنا تظهر الدلالة السياسية والتاريخية الأكثر وضوحا. إن استحضار الرابط الديني وعلماء سبتة ومليلية داخل الذاكرة المغربية يؤكد استمرار السيادة المغربية على المدينتين في بعدها التاريخي والروحي والرمزي، رغم واقع الاحتلال القائم على الأرض. فالسيادة في هذا السياق لا تختزل في ممارسة إدارية فوق مجال جغرافي، وإنما تمتد أيضا إلى الذاكرة التاريخية والروابط الحضارية والروحية التي تربط الأمة بماضيها.
ومن هذه الزاوية، فإن ذكر علماء المدينتين المحتلتين لا يمثل مجرد احتفاء بتراث علمي قديم، بل يؤكد أن الاحتلال لم ينجح في قطع الرابط الديني والحضاري بين سبتة ومليلية والمغرب. فالعالم الذي خرج من المدينة، والمذهب الذي دُرس فيها، والكتب التي ألفها علماؤها، والروابط العلمية التي جمعتها بمراكز العلم المغربية، كلها عناصر تستمر في تشكيل الذاكرة المغربية.
فالواقع السياسي القائم لا يستطيع وحده أن يعيد كتابة التاريخ، والسيطرة الفعلية على الأرض لا تمحو الروابط التاريخية والروحية التي سبقتها. ولهذا فإن بقاء علماء سبتة ومليلية داخل الذاكرة العلمية المغربية يمثل أحد مظاهر استمرار الحضور المغربي في الوعي التاريخي والديني المتعلق بالمدينتين.
ومن هنا أيضا تتضح أهمية المذهب المالكي. فالمذهب في المغرب ليس مجرد منظومة من الأحكام الفقهية، بل هو أحد مكونات النموذج الديني الذي تشكل عبر قرون، وترسخ من خلال العلماء والمؤسسات والمساجد والمدارس العلمية. وحين تكون سبتة قد أنجبت أحد كبار أعلام المالكية، القاضي عياض، فإن استحضار علمائها يفتح نافذة على جزء أصيل من تاريخ التكوين العلمي للمغرب.
كما أن العناية المولوية بالعلماء لا تتوقف عند حفظ التراث، بل تتجه إلى تجديد وظيفتهم في المجتمع. وفي هذا السياق تأتي «خطة تسديد التبليغ» بما تحمله من توجه نحو تجديد الخطاب الديني، وربط المعرفة بالقيم والسلوك والعمل الصالح والحياة الطيبة، مع الحفاظ على الثوابت الدينية للمملكة.
وبالتالي فإن استحضار علماء مختلف مناطق المغرب، ومن ضمنهم علماء سبتة ومليلية، يمكن أن يندرج في رؤية أوسع تعتبر العلم رصيدا حيا للأمة وليس مجرد تراث محفوظ. فالتراث العلمي حين يستعاد ويُدرس ويُعرّف به الأجيال الجديدة يصبح وسيلة لتعميق الوعي بالجذور وبالامتداد الحضاري.
إن الرابط الديني هنا ليس تفصيلا هامشيا. فالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتقاليد الصوفية السنية والمؤسسات العلمية وسلاسل العلماء والطلبة شكلت عبر القرون فضاء دينيا وحضاريا متصلا. واستحضار هذا الرابط في علاقة سبتة ومليلية بالمغرب يعني أن الذاكرة الدينية لا تنقطع لمجرد تغير الظروف السياسية.
ومن منظور وطني، فإن بقاء المدينتين المحتلتين داخل الذاكرة العلمية والدينية المغربية يكتسب معنى يتجاوز استعادة الماضي. إنه تأكيد على أن الانتماء الحضاري لا ينتهي عند الحدود التي فرضها الواقع السياسي، وأن الروابط الروحية والعلمية التي تشكلت عبر القرون لا يمكن إلغاؤها بمجرد تغير السلطة الفعلية.
ولهذا فإن علماء سبتة ومليلية، تاريخيا وحاضرا، يمثلون إحدى حلقات الذاكرة الدينية للمدينتين. وإذا كان علماء الأمس قد تركوا كتبا ومؤلفات وسلاسل علمية، فإن استمرار الحياة الدينية والعلمية في الحاضر يمثل حلقة أخرى في هذه الذاكرة.
وفي هذا المعنى، فإن العناية المولوية بالعلماء تحمل بعدا يتجاوز تكريم أهل العلم. إنها تؤكد أن العلم في المغرب جزء من استمرارية الأمة، وأن حفظ الثوابت الدينية يتكامل مع حفظ الذاكرة العلمية والحضارية.
وحين تمتد هذه الذاكرة إلى سبتة ومليلية، المدينتين المحتلتين، فإن الدلالة تصبح أكثر عمقا. فالمغرب لا يستحضر المدينتين من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما يستحضرهما من خلال علمائهما وتراثهما الديني ومذهبهما المالكي وموقعهما داخل تاريخ الغرب الإسلامي.
وفي النهاية، فإن استحضار علماء سبتة ومليلية في ذكرى المولد النبوي الشريف يجمع بين العناية المولوية بالعلماء، واستمرار الثوابت الدينية المغربية، وحفظ الذاكرة العلمية والحضارية للمدينتين المحتلتين. وهو ما يجعل الرابط الديني والعلمي أحد مظاهر استمرار السيادة المغربية التاريخية والروحية والرمزية عليهما، رغم واقع الاحتلال.
إن السياسة قد تفرض واقعا قائما، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمحو كتابا أو تلغي مدرسة علمية أو تفصل عالما عن تاريخ المدينة التي أنجبته. وبين علماء الأمس وعلماء اليوم يبقى العلم هو الخيط الذي يصل الأجيال ويحفظ الذاكرة ويؤكد استمرار الرابط المغربي بسبتة ومليلية.
حفظ الله مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وحفظ ولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأعاد هذه الذكرى النبوية المباركة على المملكة المغربية والأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.
