إلى وزير الداخلية وعامل إقليم شفشاون: قيادة بواحمد بؤرة فساد يجب تطهيرها
ــ عبدالإله الوزاني التهامي
جاء في خطاب ملكي بمناسبة ذكرى عيد العرش أن : “محاربة الفساد هي قضية الـدولة والمجتمع، الدولة بـمؤسساتها ، من خلال تفعـيل الآليات القانونية لمحاربـة هـذه الـظاهـرة الخطيرة ، وتـجريـم كل مظاهرها للضرب بـقـوة على أيـدي الـمفـسدين”.
بتراب قيادة بواحمد ما يثبت أن واقع السير العام للشؤون العامة للمواطنين، لا يسير وفق ما خططه عامل الإقليم ولا وفق ما يريده الأخير لكل شبر من تراب إقليمه على مستوى التنمية الشاملة، وعليه فإن كثيرا من المراكز تحتاج لتعيين مسؤولين أكفاء يسكنهم حب الوطن وخدمة المواطنين، لا خدمة جيوبهم ومصالحهم الشخصية الضيقة.
في نقلة مخيفة مثيرة للاستغراب، تحولت بعض مراكز ونقط ساحلية وشبه ساحلية من تراب إقليم شفشاون، كانت حافلة بعلامات التمدن والتحضر على محدودية حجمها الجغرافي باعتبارها قرى وحصون تاريخية ــ تحولت ــ إلى مختبر تجارب “الارتجاليين والعشوائيين والانتهازيين” من المسؤولين مستغلي النفوذ، حتى أصبحت بفعل عدميتهم ورجعيتهم بؤرة فساد ومستنقع الاختلالات ومطارح أزبال، ونموذج مركز بواحمد خير شاهد، حيث تراجع هذا المركز من معقل حضاري تاريخي لامع على صعيد غمارة، إلى مزبلة وميدان للعشوائية.
كيف ذلك؟، فعلى عكس ما جاء به السيد العامل من اهتمام بالغ بكافة الإقليم وبمراكز تاريخية وأخرى صاعدة بإقليم شفشاون حيث شهدت دينامية واضحة بتنزيل عدة مشاريع تنمية وتهيئة وتأهيل، بما يعزز ويقوي الاستقرار الاجتماعي ويلمع الجاذبية السياحية والمادية المالية ودعم الاستثمار لصالح المنطقة، وتغيير صورة الإنسان والمجال، تغييرا إيجابيا منتجا، عكس إرادة السيد العامل محمد علمي ودان، اتضح في الفترة الأخير التي لا تزيد عن ثلاثة أعوام أن قيادة بواحمد تحديدا يسيرها ويدبر شأنها مسؤولون عديمي الضمير، لا يفكرون سوى في ملء “الشكارة” بالأخضر واليابس من الماديات على حساب القانون وعلى حساب المواطن البسيط، قبل “تنقيلهم” نحو وجهة أخرى.
لا يتسع المقام لسرد كل المجالات والقطاعات التي تهيمن عليها مظاهر وحالات الخروقات القانونية والاختلالات التدبيرية، لكننا في ظل دولة الحق والقانون والمؤسسات سنخصص لكل مجال ما يستحق، وسننشر تقارير كلما دعت الحاجة إلى ذلك، طبعا استنادا إلى وتنسيقا مع الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين خدمة لهذا البلد الأمين.
ففي قطاع البناء والتعمير مثلا، وبدون مساطر قانونية ولا سابق إخبار ولا توعية أو تحسيس، يتم هدم “كشك” وترك كشك آخر قبالته، ويتم هدم “سقف صغير” هنا، وهدم “سارية واحدة” هناك، وهدم “حجيرات” بواسطة عدد من الأعوان وبواسطة يدي المسؤول شخصيا أحيانا، وكم مرة تم ترويع وقذف الرعب في نفوس الآمنين أصحاب البيت المستهدف وأفراد أسر قاطنين جواره، في عملية ابتزاز ومساومة واضحة للعيان، يسدرج بواسطتها المواطن البسيط صاحب تلك “الحجيرات والذرات الرملية والطينية” إلى فخ تأدية مبلغ من المال يروج أنه يتراوح ما بين 2000 و6000 ـ آلاف ـ درهم، لتعطى له الإشارة باستئناف وإكمال الأشغال و”تجييرها” بسرعة البرق ولو ليلا.
في المقابل، وهذا موثق لدى نشطاء حقوقيين وإعلاميين، وكذا لدى أشخاص نزهاء على صلة بسلطات عليا، في المقابل يرى السيد القائد بأم عينيه عمليات بناء مخالفة للقانون بعضها ملاصق لمقر جماعة بني بوزرة ــ يحسب على السكن الوظيفي ــ يرى الجميع مواد البناء المختلفة الخاصة به مفرغة جواره، كما يرى المسؤول المذكور عمليات بناء أساسات ومدرجات ومحلات مسقفة، بمكان يسمى “البرج” مطل مباشرة على البحر فوق مرسى اشماعلة تقريبا، لا تتوفر على تصميم ورخصة بناء قانونية، وبانتفاء المواصفات الهندسية المطلوبة في مثل ذلك الموقع، وبعشوائية البناء يمكن أن يشكل ذلك أضرارا استراتيجية جسيمة على البيئة والإنسان، من جانب آخر تفوت تلك العشوائية على الجماعة فرصة الاستفادة المادية من مثل هذه البنايات، مما يثير في نفس الوقت الشكوك العريضة حول علاقة المسؤول بهذه البنايات والمدرجات المنحدرة نحو أمواج البحر، والأغرب في الأمر أن المسؤول يتخذ من المكان “مقرا” ــ اتصالاتيا ــ لمصالحه الشخصية حيث لا يفارقه ليل نهار، دون الحديث عن الحساسية الأمنية لهذه النقطة البحرية الحدودية المثارة حولها الشبهات.
وأما بمركز اسطيحات فالبناء العشوائي فيه يوصف ب”الدهاء المذهل” في التحايل والتلاعب والتضليل، بأساليب لايعلمها إلا المتخصصون في التحايل على قانون التعمير وسماسرتهم، لدرجة أن عمارات من أكثر من طابق يرفع بنيانها بسرعة البرق، دون توفرها على أدنى وثيقة قانونية، ونفس الأمر فالخاسر الأول هي الجماعة حيث لا تستفيد ماديا على الإطلاق من هذه البنايات، وأما الاستفادة من تحت الطاولة فشيء عادي وبه يدهن “السير ليسير”. وكذلك الشأن بقرى ومداشر أخرى استراتيجية.
ومن خلال التتبع الميداني لما يحدث بالمنطقة استنتج أن البناء العشوائي الموصوف ب”الرشوائي” قد يأخذ أبعادا مخيفة في التنامي والانتشار، إذ يشكل البناء بدون ترخيص معدلا كبيرا موازاة مع ما يشكله البناء القانوني، في ظل تعقيدات مساطر التعمير، علما أن البناء غير الحاصل على تصميم مرخص وفق المقتضيات التنظيمية المتعلقة بالتعمير، والذي يشيد بالمقابل النقدي بطبيعة الحال، يزرع الأحقاد بين المواطنين من جهة وبين المواطنين والدولة من جهة أخرى، لأنه وجه من أوجه الميز العنصري واحتقار لكرامة المواطن وضرب لمصداقية دولة الحق والقانون، لأن ازدواجية التعامل والتحامل مع المواطنين التي ينهجها رجل السلطة في مجال البناء في الحالات التي بين أيدينا، بتساهله مع أصحاب “الشكارة” ومع كل من يدفع أكثر ومع المقربين، وقيامه بالهدم المباشر في حق المسالمين والفقراء والضعفاء، ينتج عنه تحريض مباشر على احتقار القانون ــ بل استصغار القائمين على حماية القانون ــ لأن حكم المواطنين المسنود بالدلائل، على ذلك المسؤول بالسمسار والمرتزق والمتاجر بواسطة استغلال النفوذ و “بيع القانون” على هواه، على حساب المصلحة العليا للدولة والمواطن، هو حكم تعتبره دولة المؤسسات بالحكم الصائب يستوجب تحريك المساطر لاتخاذ المتعين إزاءه.
لم نعرج على الأخطاء التي طبعت تشييد أوراش البنية التحتية “التنموية ــ الحضرية” لاسطيحات، ولا على الأخطاء المرتكبة في أشغال مسافات من الطريق الدائري المحددة بين قنطرة مركز بواحمد ومركز اشماعلة، ولم نعرج على الفساد الذي ينخر قطاع الصيد البحري ــ قرية الصيادين باشماعلة كمثال ــ ، ولا على المياه العادمة المتدفقة في شارع رئيسي بمركز القيادة والمصب الكبير للمياه العادمة الصادر من بيوت مركز بواحمد، الذي يصب فوق أراض فلاحية، محدثا بؤر من المياه الآسنة النتنة المفسدة للزرع والملوثة للبيئة والمضرة بصحة الإنسان، وندرك هنا أن مسؤولية كثير من الأخطاء يتحملها أكثر من طرف.
ولم نعرج على الفوضى التي يشهدها السوق الأسبوعي باعتراض صناديق الأسماك طريق السيارات والراجلين، وبيع الأكلات الخفيفة ــ سندويش ــ في أماكن تتراكم فيها القاذورات والعفونة، وتزاحم البهائم مع المتبضعين، وأما عن انتشار الأزبال والقاذورات في كل الأمكنة بمراكز القيادة فشيء قد شوه المنطقة، مع أن عملية جمعها وتنظيفها ليس بالأمر الصعب، بواسطة أعوان الجماعتين وتجنيد جمعيات المجتمع المدني والمتطوعين من أبناء المنطقة، تلك الوضعية المسيئة للقيادة وللمنطقة، تسوق صورة مشينة وبذيئة عن هذه المواقع الاستراتيجية الهامة من تراب إقليم شفشاون، إلى درجة أن عديم ضمير ــ”شبع الخبز وشبع همزات البياخيس” ــ ، شبه مركز قيادة تاريخي ب”الدوار”، متباهيا بأنه “يقيم” في برج مطل على البحر، برج يعلم الجميع عدم قانونية بناياته و”مآويه” ومدرجاته العشوائية.
وعن ما اقترف في حق المواطنين من اعتداءات وتعسفات وشطط في استعمال السلطة في إطار مبرر”الحرب” ضد “كورونا”، ومنه إخراج شخص طاعن في العمر سليم صحيا من المسجد أثناء مراسيم صلاة الجمعة باستعمال القوة العمومية، أمام استغراب وغضب المواطنين، مع أنه ليس لذلك التصرف داع طارئ خطير يستدعي اقتحام بيت الله المحسوب تحت إمرة أمير المؤمنين بتلك الطريقة، ومن ذلك ركل المواطنين وإغلاق المقاهي وبداخلها أشخاص وغير ذلك.
ويندرج في سياق ذلك ما مورس على مواطنين من ضغط مباشر لانتزاع منهم بطائقهم الوطنية من طرف مسؤول و”عونه” المتهم بشهادة الزور وبالفساد، وممارسة في حقهم سياسة التخويف والترهيب لأغراض مجهولة، في خضم العمل على نسف نتائج الدعوى القضائية التي رفعتها جمعية حقوقية ضد “العون” المذكور، وثني المشتكين عن متابعة العون.
ونظرا لتشعب الاختلالات والخروقات وكثرتها، المتعلقة بأوراش البنية التحتية وحالة المرافق العمومية، ارتأينا عدم الخوض في كل صغيرة وكبيرة، إلى حين، مع أملنا الكبير في أن ترفع للسيد العامل وللدوائر العليا تقارير صحيحة وموضوعية، لا تحجب حقيقة الأوضاع بمعطيات وتقارير خاطئة وكاذبة تنبني عليها ــ مع الأسف ــ تخطيطات وقرارات مصيرية تهم حاضر ومستقبل المنطقة والوطن.
لم ندخر جهدا منذ عقود ــ رغم تهديدات لوبيات الفساد ــ لتقديم ما يمكن تقديمه من صور صادقة لواقع المنطقة، بكل الوسائط والوسائل المشروعة، تشخص الأوضاع وتشرح جسدها، لمعرفة متطلبات التنمية السوسيواقتصادية بالإقليم قصد إعداد مخطط برامج تنمية وتهيئة وتأهيل، تشمل مجالات حياة المواطن كلها. وفعلا وجد كثير من كلامنا الآذان الصاغية لدى مسؤولين محليين وإقليميين ومركزيين نزهاء، ورأينا بأم أعيننا أثره على الأرض.
الجميع مدعو للعمل بجد وتفان وبنكران ذات من أجل تحقيق الأهداف الكبرى للمغرب، تفعيلا لما جاء في خطاب رسمي لملك البلاد، حيث قال:
“إن تحقيق المنجزات، وتصحيح الاختلالات، ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي، يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط والتنسيق، بين مختلف المؤسسات والفاعلين،…”
وجاء في خطاب ملكي بمناسبة ذكرى عيد العرش أن : “محاربة الفساد هي قضية الـدولة والمجتمع، الدولة بـمؤسساتها ، من خلال تفعـيل الآليات القانونية لمحاربـة هـذه الـظاهـرة الخطيرة ، وتـجريـم كل مظاهرها للضرب بـقـوة على أيـدي الـمفـسدين”.
وفي هذا الصدد، أشار الملك محمد السادس إلى ” أن المفهوم الجـديـد للسلطة يعني المساءلـة والـمحاسبة، التي تتم عبر آليات الـضبط والمراقبة ، وتطبيق القانـون … ، كما أن مـفهومنا للسلطة يـقوم علـى محاربـة الفساد بكل أشكاله …، مشددا على أن “عدم الـقيام بالواجـب، هو نوع من أنـواع الفساد”.

