هل تحكم “طالبان” أفغانستان باسم أمريكا بعد عقدين من حرب البيت الأبيض ضد “نظامها” ؟
هل فعلا انتصرت “كتائب” طالبان على كامل التراب الأفغاني، بعد زمن طويل من حرب الولايات المتحدة الأمريكية الشاملة ضد “نظامها”؟ اتهمت حركة طالبان بأنها متشددة في فهم الدين الإسلامي وبأنها أكثر تشددا في تطبيقه على أرض الواقع، حيث صورها الإعلام الغربي والأمريكي في صورة حركة إرهابية متطرفة تعادي كل القيم والمواثيق الإنسانية الدولية التي اتفقت عليها كل أمم العالم.
وفتحت أمريكا جبهات حرب واسعة ضد هذه الحركة وقتلت من قياداتها العشرات بل المئات ومن مجاهديها الآلاف، تحت نفس الغطاء والمبرر، ضاربة عرض الحائط من جهتها كل المواثيق الدولية الحاثة على احترام وتقديس حقوق الإنسان وعدم انتهاك حرمة الدول والشعوب والأفراد، إلا بشكل تتفق عليه أمم العالم تحت غطاء أممي شرعي مصادق عليه وفي حدود مضبوطة.
وفي دول العالمين العربي والإسلامي، احتضنت قيادات عربية وإسلامية المشروع الحربي الاستئصالي ضد طالبان احتضانا صنفت في إطاره كثير من الحركات على المستوى القطري الوطني موالية لحركة طالبان دونما وجود دلائق حقيقية تثبت ذلك، فقط من أجل إرضاء أمريكا والحصول على دعم مالي ولوجيستي وسياسي كبير يخدم أنظمة هذه الدول التي انساقت بسهولة وراء شعارات أمريكا ضد الحركة المذكورة وكل الحركات التي وصفت بالإرهابية والمتطرفة.
كيف للعالم بأن يقبل ب”فرضية” مفادها أن حركة طالبات تقتحم بكل سهولة كل الحصون التي كانت محمية بأسلحة أمريكا المتطورة، وهي التي تؤمن بإعادة عقارب التطور والتمدن والتحضر إلى ما قبل العصور البدائية الحجرية المتخلفة، طالبان المعروفة برفض الحضارة الغربية حيث لا تؤمن سوى بمرجعية تحسب إسلامية منغلقة جدا لا يأتيها الاجتهاد من بين يديها ولا من خلفها، كيف للعالم أن يسكت على هذا “النصر المؤزر” الذي تدعي “طالبان” أن ميليشياتها العسكرية التقليدية في مواجهة أكبر قوة عسكرية عالميا هي أمريكا؟
وسط قراءات سلبية مفادها أن “طالبان” ليس لها رؤية سياسية في تدبير الحكم بدليل عكوفها فقط على منهجية تدبير الحرب، يسود اعتقاد أن أمريكا ــ الحربائية ــ ستعيد تشكيل خارطة العالم الإسلامي والعربي على مقاس جديد لا يد للصين ولا لفرنسا ولا للاتحاد الأوروبي ولا لإيران فيه، قبل أن تشرع قوى دولية مذكورة وأخرى في تشكيله على حسب مصالحها، وهذه المرة ستعتمد أمريكا على تقارير دقيقة تحدد بالضبط تفاعل الشعوب العربية والإسلامية مع ما سمي قبل أعوام بالربيع العربي وبالضبط اعتمادا على درجة تأثير البعد الديني في كل قطر تهمه عملية التغيير المتوقعة على يد أمريكا.
من المتوقع أن تقلم أمريكا أظافر طالبان حتى تسويها مع نظام آل سعود في الخليج العربي، أو مثل أي نظام آخر يتبنى المرجعية الإسلامية، طالما لا وجود لنموذج إسلامي قوي يتصدى لمغريات وضغوط وسياسات أمريكا، باستثناء النموذج التركي الناجح الذي لم تستطع أمريكا تقويضه ولا ترويضه، ولم يستطع الأخير أيضا أن يسوق لنموذجه عبر أنظمة العالم لحد الآن. وأما إيران فتفصل طالبان عن نظامها “الشيعي” موانع عقدية وعرقية يصعب تذويبها لبناء علاقة استراتيجية سلسة، وإن كان لطالبان مفاجآت سياسية على مستوى تدبير الحكم بشكل عقلاني وواقعي يستجيب فعلا لطموحات الشعب ويساير كل المستجدات السائدة في دول المعمور، في حركة الإنسان ومعاشه وتفاعله بحكم التقدم التكنلوجي المذهل، فسيشهد العالم ميلاد نموذج جديد لفهم الإسلام مغاير للنماذج التي سبقته في العقود الأخيرة. وهذا سيناريو غير وارد على المدى القريب بفعل الراديكالية في الأفكار والمواقف اللصيقة بقادة طالبان.
أمريكا ستفرض “فهما وتفسيرا” جديدا للإسلام وستدعم القائمين على الحكم به في الدول المستهدفة بالتغيير، وفي ذلك السياق ستنمو بذور مشوهة للدين من جذوره ومقوضة لكل عملية إصلاح، وهي حيلة ومنهجية تتقنها أمريكا إتقانا كبيرا بما تتوفر عليه من معاهد للدراسات الاستراتيجية وما تتوفر عليه من شبكات استخباراتية تجسسية علنية وسرية مندسة في كل دولة على حدة.
وحسب سيناريوهات محتملة، ستغير أمريكا تكتيكها الحربي في العالمين العربي والإسلامي، وستظل حريصة على ضمان انسجام ذلك مع أهدافها الاستراتيجية، القائمة على استدامة الهيمنة وشرعنة التدخل واستنزاف الثروات تحت غطاء الشرعية الدولية ومبرر الحرب على الإرهاب.
قريبا ــ حسب نفس السيناريوهات ــ سنرى طالبان بلا لحي وبلا عمامات وبلا نقاب وبلا حتى “بندقيات” وقنابل، وسنراها تحتضن مؤتمرات يزين قاعاتها الكبرى شركات أمريكية بأحدث المعدات والأثاث، وستتخلى “القنافذ” تدريجيا عن أشواكها، مع الاستئناس بآيات ونصوص شرعية مبررة لذلك ومشرعنة له.
وسيغرق البيت الأبيض الدولة الأفغانية “الحديثة” بمليارات الديون، وسيبعث لعاصمتها بخبراء يشتغلون في القطاعات الحساسة، وسيتم تبادل البعثات الدبلوماسية والسفراء، … وستؤكل “الثيران المعممة” أكلا لما دسما على مائدة نظام دولي عنصري جشع، في غياب كلي لأقطاب دوليين منافسين لأمريكا يقيمون أركان هذه الدولة الفتية ويساعدونها على النهوض وعلى الاستقلال والسيادة.
