رأي: الغرب في غربة ذاتية

0 943

ــ ذ عيسى أشرقي

الغرب في ذهول ورعب لا يُخفيهما. كان إلى عهد قريب يحسب أن الكون أصبح طوعَ إرادته، وأنه الحاكم الذي يصنع الأحداث ويُقدر الوقائع ويتحكم في النوازل. كل شيء في قبضته وتحت حُكمه وسلطانه.
تطلعاته وإنجازاته على مستوى العلوم الإلكترونية القائمة على الحاسوب في عمليات التجريب، وعمليات التحليل والاستنتاج والوصول إلى الحقائق وتخزين البيانات – التي تفوق خيال الإنسان وقدراته العقلية – ضاعفت غروره واستعلاءه.
هذا باب فتحته فزياء الجسيمات وكل العلوم الدقيقة المتعلقة بالكون والحياة. “ثورة” علمية تاريخية متدفقة غير مسبوقة نفخت ونفثت روح الكِبر والعظمة والغطرسة في الغرب إلى حد التأله.
زد على ذلك قوة الاقتصاد، ووفرة المال، وقوة الصناعات العسكرية من أنظمة دفاعية وصواريخ، وذخيرة، وطائرات لكل المهمات القتالية، ورادارات دقيقة لطيفة، وأقمار صناعية تفوق تكاليفها البلايين. هكذا غدى الغرب، عيونه في السماء تراقب بالليل والنهار وسلاحه في الأرض يبطش ويسفك الدماء، والهدف واحد بسط سيطرته على المستضعفين في الأرض تسخيرًا وتنكيلا واستعبادا.
لا شيء يثنيه، فلا صوت إلا صوت السياسة ودوي الراجمات العسكرية برا وبحرا وجوًا. انتهى الدين، وماتت الفلسفة، وتضاءل القانون، واضمحلت الروابط الإنسانية، والميزان لا يقوم إلا على كفة العنف الدموي. هل هي نهاية العقلانية بكل مدارسها في بعدها الإنساني الأخلاقي الزائف الكاذب؟ هل هي الدوابية في أوج تمظهرها؟
اليوم، نشاهد الغرب يتزحزح ويترنح ويتململ ويفقد الثقة ولو نسبيا في ذاته. لأول مرة نرى قادة الغرب في حيرة ورعب وكأنهم واقفون أمام باب سيُفتح على المجهول.
يقول الله عز وجل في سورة العنكبوت عن الأمم السابقة التي أمرنا بالاعتبار بها :” فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ “.
وقال العزيز الحكيم القاهر فوق عباده :” وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ “.
سطوة الديان واسعة عظيمة، وبطشه موجع أشد ما يكون الإيجاع..
رسائل وتجليات ربانية للإنسان، خصوصا في الغرب، لعله يستفيق.. لعله يستدرك.. لعله يرجع :
-تحت أعين الغرب وعجزه تضرب الزلازل هنا وهناك (وآخرها بهايتي) لتخلف الآلاف من القتلى والجرحى والمنكوبين، وتحيل البنى التحتية التي تُسهل الحياة وتنظمها إلى خراب أشبه بالرماد.
-تمطر السماء صيفًا لتتجاوز كل المقاييس والتوقعات المرصدية، وتتحول خلال سويعات قليلة إلى طوفان يُغرق مدنًا غربية بكاملها، ويُحوِّل غناها إلى فقرٍ مدقع، وجمالها إلى خرابٍ كئيب، وساكنيها إلى بؤساء معوزين يملأ قلوبهم الذعر والرعب والجزع والفزع.
-وتأبى النار إلا مشاركة الماء في أمرٍ مقدورٍ فتأكل بلهيبها غابات بسكانها وأغراسها وحيواناتها. سماها الحكيم العليم بالحطمة، تحطم كبرياء النفوس والأبدان.
-ويرفض الضيف الثقيل كورونا المغادرة، ويُصر هذا الكائن الحي اللطيف الخفي على اغتيال كبرياء الإنسان، والدوس على أنانيته، وتنغيص حياته. رغم صغره وضآلته وضحالته إلا أنه أحدث هزة ورجة، وفرض على الإنسان التفكر في الموت كحقيقة من حقائق الوجود، ولازمة من لوازمه، وركنا من أركانه، ” قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ “.
-ثم يلتحق بركب جند الله رجال بسطاء فقراء ضعفاء. لا يلبسون إلا ما اعتدلَ ولم يتجاوزْ واجب الستر، ولا يأكلون إلا ما قل ويقيم البدن، ولا يرضون لدينهم الدنية ولا لأنفسهم الخِسّة.
هؤلاء هم طالبان، الذين مهما اختلفنا معهم في الرؤى والاجتهاد، نشهد لهم أنهم أذاقوا قادة الغرب كأس المرارة والحسرة، وأنزلوا فيهم وعيد الله سبحانه العزيز الحكيم :” :” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ “.
أكيد، وأقولها جازما، أن الغرب لم يعُد يعي جيدا ما يحدث في العالم، وكأني به يتخبط ويفقد المبادرة.
نعم، يملك إمكانات ووسائل علمية تقنية مادية عالية دقيقة في ضبط المعلومات وجمعها تقريبا في كل العلوم الكونية، ومع ذلك يشعر اليوم أن هناك شيئا ما فوق إدراكه وعلمه وإحاطته. قوة خارقة مطلقة تتدخل لتفرض وقائع وأحداثًا وقضايا وأمورًا أخرى غير التي يريدها ويتوقعها.
أما نحن فمن أصولنا الإيمانية الثابتة:
” وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ “.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.