أبواب مدينة تطوان العتيقة: شاهد على تاريخ عريق

أبواب مدينة تطوان العتيقة

0 1٬657

أبواب مدينة تطوان العتيقة: شاهد على تاريخ عريق

تُعد أسوار مدينة تطوان العتيقة، كما يفضل أهلها تسميتها، رمزًا حيًا لتراث المدينة وخصائصها المعمارية التي تشبه مدن القرون الوسطى. وعلى الرغم من الهدم الذي طال أجزاء من هذه الأسوار، التي كانت تمتد لخمسة كيلومترات بسمك 1.20 متر وارتفاع يتراوح بين 5 و7 أمتار، إلا أنها ما زالت تحتفظ بجمالها وقيمتها التاريخية. كانت الأسوار مزودة بممرات حراسة على شرفاتها المتينة وأبراج متعددة الأضلاع، مما جعلها جدارًا دفاعيًا قويًا مدعومًا بعدد من الحصون والقصبات التي ما زالت صامدة حتى اليوم.

الأبواب السبعة لتطوان: عراقة وتاريخ

منذ إعادة بناء المدينة في أواخر القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، فُتحت سبعة أبواب في الأسوار، تختلف أحجامها حسب أهميتها في تنظيم حركة الدخول والخروج. تتميز هذه الأبواب بهندسة فريدة، حيث تحتوي على قوس أمامي باتجاه خارج المدينة وقوس خلفي باتجاه داخلها، مع تصميم يشبه حدوة الحصان. كما زُينت الأبواب الرئيسية بزهريات فخارية، مثل باب العقلة، الذي يعد أحد أبرز الأبواب.

باب العقلة: بوابة التاريخ

يصف المؤرخ التطواني محمد بن عزوز حكيم باب العقلة بأنه يعود إلى النصف الأول من القرن السادس عشر، ويتميز بتصميمه المتدرج الذي يشبه الأبواب الموحدية والمرينية. يتمتع الباب بزخارف فنية مميزة، ويؤدي مباشرة إلى سقاية باب العقلة الشهيرة بنقوشها الجميلة. وتختلف التفسيرات حول تسمية الباب، حيث يرى البعض أنها تعود إلى أساطير عربية قديمة، بينما يربطها آخرون باسم الحي المجاور.

باب التوت: بين الماضي والحاضر

يُعتبر باب التوت واحدًا من الأبواب التاريخية المميزة في مدينة تطوان العتيقة، حيث حمل هذا الاسم بابان: أحدهما يعود إلى القرن السادس عشر، والآخر أُنشئ في أوائل القرن التاسع عشر. الباب القديم ما زال قائمًا حتى اليوم في الجهة الغربية من المدينة، متصلًا بحومة الطرنكات، بينما تم هدم الباب الجديد في بداية الاستقلال عام 1958 لربط منطقة ساحة الفدان القديم بالمحور الطرقي.

أهمية باب التوت

يتميز باب التوت بموقعه الاستراتيجي، حيث يشرف على الطرق المؤدية إلى مدن مهمة مثل فاس وطنجة، مما جعله مركزًا تجاريًا وحيويًا. كان الباب كبير الحجم ومزينًا بعناصر زخرفية فنية، بما في ذلك كتابات بخط كوفي على شريط الزليج فوق قوسه، مما يعكس براعة الفن المعماري المغربي.

التطور التاريخي للباب

وفقًا للمؤرخ محمد بن عزوز حكيم في منشوره “التطور الطبوغرافي لمدينة تطوان”، فإن الباب الأول أُنشئ خلال القرن السادس عشر، بالتزامن مع بناء حومة الطرنكات. أما الباب الجديد، فقد شُيد في أوائل القرن التاسع عشر كجزء من المرحلة الأخيرة لتطور المدينة الطبوغرافي، قبل أن يتم هدمه عام 1958.

أصل التسمية

يرجع اسم “باب التوت” إلى كثرة أشجار التوت التي كانت تُزرع في المنطقة المجاورة. كما أشار عبد السلام بن أحمد السكيرج في كتابه “نزهة الإخوان في أخبار تطوان” إلى أن سكان تطوان كانوا يربون دودة القز لاستخراج الحرير، وكانوا يجلبون أوراق التوت من هذه المنطقة لتغذية الديدان. وارتبط اسم الباب بالمثل الشعبي الشهير: “شوف وسكوت، مكتوبا في باب التوت”، الذي يعبر عن الاكتفاء بما تراه دون الحاجة إلى التساؤل.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني الأول لتطوان بين عامي 1860 و1862، أُطلق على الباب اسم “Puerta del Cid”، نسبة إلى البطل الإسباني الأسطوري الذي حارب المرابطين في الأندلس. وفي فترة الحماية الإسبانية عام 1913، تغير الاسم إلى “Puerta de Tanger” (باب طنجة)، نظرًا لإشراف الباب على الطريق المؤدي إلى طنجة.

باب النوادر: بوابة الفلاحين

يُعتبر باب النوادر واحدًا من الأبواب الرئيسية في مدينة تطوان العتيقة، ويقع في الجهة الشمالية الغربية للمدينة، تحديدًا في نهاية حومة العيون. وفقًا للمؤرخ التطواني محمد بن عزوز حكيم، يعود تاريخ إنشاء هذا الباب إلى الربع الأول من القرن السابع عشر. ولأهميته الاستراتيجية، تم تعزيزه ببرج مدفعي على جانبه الأيمن لحراسته.

تصميم الباب وأهميته

يصف خالد الرامي في مؤلفه باب النوادر بأنه كان من الأبواب الكبيرة، سواء من حيث العرض أو الارتفاع، لتسهيل مرور قوافل الجمال والبغال المحملة بالبضائع. كما تميز الباب بعناصر فنية وزخرفية أضفت عليه جمالًا خاصًا، مثل قوس الخرسانة الذي يعد نموذجًا للفن المعماري المغربي.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني لتطوان بين عامي 1860 و1862، أُطلق على الباب اسم “Puerta de Fez” (باب فاس)، نظرًا لإشرافه على الطريق المؤدي إلى مدينة فاس. هذه التسمية تعكس الأهمية التجارية والاستراتيجية للباب، الذي كان بمثابة نقطة وصل بين تطاون والمدن المغربية الأخرى.

أصل تسمية “باب النوادر”

يرجع اسم “باب النوادر” إلى الطبيعة الزراعية للمنطقة المحيطة به. وفقًا لعبد السلام بن أحمد السكيرج في كتابه “نزهة الإخوان في أخبار تطوان”، فإن معظم سكان المنطقة المجاورة للباب كانوا من الفلاحين الذين امتلكوا “نوادر” (أراضي زراعية) و”بيادر” (أماكن لتجميع المحاصيل). كما ارتبط الباب بحدث تاريخي مهم، وهو المعركة التي دارت عام 1860 بين سكان تطاون وأتباع الباشا أحمد الريفي، حيث تمكن الريفيون من الفتك بعدد كبير من التطوانيين بمساعدة حارس الباب، الذي كان من أصل ريفي.

باب المقابر: بوابة الجنائز

تقع باب المقابر في الجهة الشرقية لمدينة تطوان العتيقة، بالقرب من حومة البلد والربض الأعلى. تُطل هذه الباب على مقابر المسلمين وعلى الطريق المؤدي إلى سبتة عبر الجبال. تتميز بتصميمها المعماري الفريد، حيث تتكون من قوسين متوسطي الحجم من الداخل وقوس واحد كبير من الخارج، مما يجعلها واحدة من الأبواب الرئيسية التي لعبت دورًا مهمًا في تنظيم حركة الدخول والخروج من المدينة.

تاريخ إنشاء الباب

وفقًا للمؤرخ محمد بن عزوز حكيم، تم إنشاء باب المقابر خلال المرحلة السادسة من التوسع العمراني لتطوان، والتي تعود إلى منتصف القرن السادس عشر. ارتبط بناء الباب بالتوسع نحو الشمال، حيث تم إنشاء حومة السوق الفوقي، التي ضمت مناطق مثل الطالعة والخَرازين والدباغين وزنقة المقدم.

أصل التسمية

يرجع اسم “باب المقابر” إلى استخدامها الرئيسي في تشييع جنائز المسلمين ودفنها. كما أشار عبد السلام بن أحمد السكيرج في كتابه “نزهة الإخوان في أخبار تطوان”، فإن مقابر المدينة ما زالت تحوي رفات العديد من العلماء والحكماء والأولياء الذين عرفتهم تطوان منذ إعادة تأسيسها على يد سيدي المنظري.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني الأول لتطوان بين عامي 1860 و1862، أُطلق على الباب اسم “Puerta de Vectoria” (باب النصر)، وذلك احتفاءً بانتصار الجيوش الإسبانية على القوات المغربية في حرب تطاون. وفي فترة الحماية الإسبانية، تغير الاسم إلى “باب سبتة”، نظرًا لإشراف الباب على الطريق المؤدي إلى مدينة سبتة المحتلة.

باب الرموز: باب العائلة

تعد باب الرموز واحدة من الأبواب السبعة لمدينة تطوان العتيقة، وتقع في نهاية شارع المصلى القديمة جنوب المدينة. وعلى عكس الأبواب الأخرى، كان لهذا الباب دور ثانوي بسبب قلة استخدامه، مما انعكس على تصميمه المتواضع وصغر حجمه. وفقًا للمؤرخ محمد بن عزوز حكيم، يعود تاريخ إنشائها إلى بداية القرن السادس عشر، بالتزامن مع إنشاء حومة الربض الأسفل.

أصل التسمية

يرجع اسم “باب الرموز” إلى عائلة كانت تقيم في المنطقة المجاورة للباب. وفقًا لعبد السلام بن أحمد السكيرج في كتابه “نزهة الإخوان في أخبار تطوان”، فإن الحاكم الثالث من آل النقسيس، الذي يُرجح أن يكون اسمه محمد النقسيس، أعجب بفتاة من هذه العائلة وطلب من أحد إخوتها إحضارها إليه. خوفًا من بطش الحاكم، قرر الأخ أن يذهب مع أخته إلى دار النقسيس، حيث قام بقتله بسكين، ثم فر مع أسرته إلى تونس. احتفظ أهل تطاون بذكرى شهامة هذه العائلة، وأطلقوا اسمها على الحي ثم على الباب.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني لتطوان بين عامي 1860 و1862، أُطلق على الباب اسم “Puerta de los Reyes Catolicos” (باب الملوك الكاثوليك)، نسبة إلى فرناندو الثاني ملك أراغون وإيزابيلا ملكة قشتالة وليون، اللذين وحّدا إسبانيا وساهما في طرد المسلمين من الأندلس. ومع ذلك، لم يدم هذا الاسم طويلاً، حيث كان يستخدمه عدد قليل من الإسبان فقط. وفي فترة الاحتلال الإسباني الثاني، أُطلق على الباب اسم “Puerta de la Luneta” (باب القمر الصغير).

باب الرموز ليست مجرد بوابة تاريخية، بل هي قصة شهامة وتضحيات عائلة تركت أثرًا في ذاكرة أهل تطوان. من خلال الحفاظ على هذه المعالم، يمكن للأجيال القادمة أن تتعرف على تاريخ المدينة الغني وتقدير الدور الذي لعبته في تشكيل الهوية الثقافية للمغرب.

باب الصعيدة: بوابة الفلاحين

تقع باب الصعيدة في الجهة الشرقية لمدينة تطوان العتيقة، بالقرب من ضريح الولي الصالح سيدي الصعيدي، وهي شخصية تاريخية غير معروفة بشكل دقيق. كما يحد الباب قناة مائية بناها الباشا أحمد بن علي الريفي عام 1727، مما يعكس موقعها الاستراتيجي القريب من الأراضي الزراعية الخصبة.

تاريخ إنشاء الباب

وفقًا للمؤرخ محمد بن عزوز حكيم، تم إنشاء باب الصعيدة في منتصف القرن السابع عشر، بالتزامن مع تأسيس حومة سيدي الصعيدي. وعلى عكس الأبواب الرئيسية الأخرى، كان لهذا الباب دور ثانوي، حيث استخدمه السكان بشكل أساسي للوصول إلى الأراضي الزراعية خارج المدينة.

تصميم الباب

يتميز باب الصعيدة بتصميمه البسيط والمتواضع، حيث جاء صغير الحجم وخاليًا من الزخارف الفنية المعقدة. يعكس هذا التصميم طبيعة استخدام الباب، الذي كان مخصصًا للفلاحين الذين يخرجون لزراعة أراضيهم في مناطق مثل بساتين زيانة وكديوات الشجر والطوابل السفلية.

أصل التسمية

ما زالت تسمية “باب الصعيدة” تطرح إشكالية بسبب غياب المعلومات التاريخية الواضحة. يرى البعض أن الاسم مشتق من مجاورتها لضريح سيدي الصعيدي، بينما يرجح آخرون أن التسمية تعود إلى شكل الباب الصاعد، مما يعكس وصفًا هندسيًا له.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني الأول لتطوان بين عامي 1860 و1862، أُطلق على الباب اسم “Puerta de San Fernando” (باب القديس فرناندو)، نسبة إلى أحد ملوك إسبانيا. وفي فترة الحماية الإسبانية، تغير الاسم إلى “Puerta del Santo” (باب القديس)، مما يعكس التأثير الثقافي والديني للإسبان على المدينة.

باب الصعيدة ليست مجرد بوابة تاريخية، بل هي شاهد على الحياة الزراعية البسيطة التي كانت سائدة في تطوان. من خلال الحفاظ على هذه المعالم، يمكن للأجيال القادمة أن تتعرف على تاريخ المدينة الغني وتقدير الدور الذي لعبته في تشكيل الهوية الثقافية للمغرب.

باب الجياف: بوابة الجنائز والذاكرة

تقع باب الجياف في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة تطوان العتيقة، بالقرب من باب الصعيدة. تشرف هذه الباب على مقابر المسلمين من جهة، وتؤدي إلى مقابر اليهود من جهة أخرى. وعلى عكس الأبواب الرئيسية، كانت باب الجياف بابًا ثانوية تُفتح فقط لمرور الجنائز اليهودية، مما جعلها صغيرة الحجم وبسيطة التصميم دون زخارف معمارية مميزة.

تاريخ إنشاء الباب

وفقًا للمؤرخ محمد بن عزوز حكيم، يعود تاريخ إنشاء باب الجياف إلى منتصف القرن السابع عشر، عندما اكتملت توسعة تطوان نحو الشرق. تم بناء الباب كجزء من السور الممتد من باب العقلة إلى باب الجياف، بالتزامن مع إنشاء حومة سيدي الصعيدي.

أصل التسمية

تعددت الروايات حول أصل تسمية “باب الجياف”، ومن أبرزها:

  1. رواية الباحث الفرنسي “Joly”:
    رجح أن التسمية تعود إلى مذبحة ارتكبها سكان تطاون ضد الريفيين خلال فترة حكم المولى اليزيد الأول، حيث تم تكديس جثث القتلى بالقرب من الباب. إلا أن هذه الرواية تعتبر ضعيفة بسبب أخطاء تاريخية فادحة، مثل الخلط بين أحداث عام 1727 وأحداث عام 1790.
  2. رواية الفقيه أحمد الرهوني:
    أشار إلى أن تسمية الباب قد تكون مرتبطة بمعركة “عيطة السبت” بين أهل تطاون والباشا أحمد الريفي، حيث تم جمع جثث القتلى خارج الباب. ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذه الرواية غير منطقية، لأن ترك الجثث دون دفن كان سيؤدي إلى انتشار الأوبئة.
  3. رواية محمد داود:
    تعد هذه الرواية الأكثر قبولاً، حيث ربط المؤرخ التطواني اسم الباب بالمقبرة اليهودية المجاورة. وفقًا له، كان اليهود يخرجون موتاهم من هذه الباب لدفنهم خارج الأسوار، مما أدى إلى تسميتها “باب الجياف”. واستشهد داود بوجود أبواب مماثلة في مدن مغربية أخرى، مثل باب الجياف في فاس.

التسمية الإسبانية

خلال الاحتلال الإسباني الأول لتطوان عام 1860، أُطلق على الباب اسم “Puerta de Alfonso” (باب ألفونصو)، نسبة إلى الملك ألفونصو الثامن ملك قشتالة. هذه التسمية تعكس محاولة الإسبان إضفاء طابعهم الثقافي على معالم المدينة.

خاتمة

باب الجياف ليست مجرد بوابة تاريخية، بل هي شاهد على التعايش بين الثقافات والأديان في تطوان. من خلال الحفاظ على هذه المعالم، يمكن للأجيال القادمة أن تتعرف على تاريخ المدينة الغني وتقدير الدور الذي لعبته في تشكيل الهوية الثقافية للمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.