صيف المضيق الفنيدق.. بين التقاليد والانفلات في مسرح مفتوح للتحولات
صيف المضيق الفنيدق.. بين التقاليد والانفلات في مسرح مفتوح للتحولات

– هاشمي بريس
يتقاطع المحافظ والمتحرر صيفًا على شريط المضيق الفنيدق الساحلي، حيث تصطدم التمثلات الاجتماعية المتباينة بواقع مشترك لا يتسع دائمًا، لكنه يحتمل الجميع بصمتٍ ثقيل.
فبين أسرٍ تسعى إلى استعادة طقوس العطلة العائلية في أجواء هادئة، وشباب يختبرون حدود الانفلات في السلوك والمظهر ونمط العيش، تتحوّل المنطقة إلى مرآة مصغّرة لتحولات المجتمع المغربي، حيث لا تُحسم الهوية الجماعية بسهولة، ولا تُضبط العلاقة مع الفضاء العمومي بضوابط ثابتة أو إجماع واضح.
مظاهر التعايش.. توتر بلا صدام
في مرتيل، كابو نيغرو والمضيق، تتجاور العبايات مع الشورتات القصيرة، وتلتقي السهرات العائلية مع صخب المقاهي المكتظة، دون أن تقع مواجهات مباشرة. غير أن التوتر الثقافي يظل حاضرًا، محسوسًا أكثر مما هو معلن.
الصيف يرفع السقف، ويطلق العنان لتعبيرات لا تخرج عادة في باقي فصول السنة. وتتحول المدينة إلى مسرح مفتوح لأنماط سلوكية متداخلة، تحاول السلطات تنظيمها، لا مرافقتها، في ظل غياب مواكبة ثقافية أو مجتمعية متوازنة.
الزوار.. بين الانزعاج والانطلاق
نادية، موظفة من مكناس، تقضي عطلتها قرب مرتيل، تقول: “نأتي كل صيف إلى هنا لأننا نعتبر المضيق امتدادًا للبيت، لكن الأجواء تغيرت كثيرًا”. وتضيف: “هناك انفلات واضح في اللباس والسلوك. لا نطلب التشدد، فقط شيئًا من الاحترام المتبادل في الفضاء المشترك”.
على الطرف المقابل، لا يرى يوسف، طالب جامعي من فاس، أي مشكل: “المغرب بلد متنوع، وكل واحد حر في أسلوبه. الصيف وقت للانطلاق، وليس للتقيد بقوالب اجتماعية”. يضحك ويضيف: “الناس كتجي ترتاح، وكل واحد وكيفاش كيشوف الراحة”.
إكراهات الاستقبال.. ضعف البنية وغياب التأطير
رغم هذا التباين الثقافي، تواصل المنطقة فرض نفسها كوجهة أولى للسياحة الداخلية، مدفوعة بقربها من مدن الداخل، ووفرة الشقق المفروشة، وتكلفة إقامة تعتبر مقبولة مقارنة بمناطق أخرى. لكن مع كل موسم، تعود الإشكالات نفسها: غلاء الكراء، فوضى الوسطاء، ضعف التأطير، وغياب رؤية لتدبير الضغط المتزايد.
الطريق الساحلي يختنق يوميًا، خصوصًا عند مدخلي مرتيل والمضيق، حيث تتعطل حركة السير لساعات. التوسعات والمحاولات الأمنية لم تفلح في ضمان انسيابية حقيقية، لتظل الازدحامات عنوانًا يوميًا من دون حل.
وفي المساء، تتحول الكورنيشات إلى فضاءات مكتظة بالحركة، تمتد حتى ساعات متأخرة، وسط أجواء صاخبة تفتقر، إلى حد الساعة، لأي برمجة فنية واضحة أو عروض ثقافية مؤطرة.
سوق فوضوي للشقق وتحكم عشوائي في الإقامة
الشقق المفروشة تمثل الفضاء الأكثر طلبًا للمبيت، لكنها تخضع لسوق غير رسمي. لا عقود واضحة، ولا مراقبة حقيقية. الأسعار تُحدد بالمزاج والطلب، والوسطاء العشوائيون يتحكمون في الدخول إلى سوق تفوق قدراته العرض الفندقي المحدود. ما يجعل الإقامة الصيفية تجربة غير مستقرة، حتى للزوار المعتادين.
عبد الصمد، بائع متجول في الفنيدق، يختصر الوضع بمرارة: “لم نعد نميّز بين سائح جاء مع أسرته ومراهق يبحث عن الصخب. نحن نعيش على الموسم، لكننا لا نتحكم فيه. نربح النهار ونخسر الاحترام”.
صيف التناقضات.. فسحة للراحة وسؤال للهوية
ورغم كل مظاهر التناقض والضغط، يحتفظ صيف المضيق الفنيدق بجاذبيته. البحر، الهواء، الغروب، والإحساس الجماعي بأن هذه المنطقة تمنح فسحة استراحة ولو مؤقتة، حتى وإن ظل سؤال الهوية والتعايش مفتوحًا على الاحتمالات.
ففي هذا الصيف، تتجاور التقاليد والتحرر دون صدام معلن، لكن أيضًا بلا انسجام حقيقي. يتعايش الجميع في مشهد هش، بلا قطيعة ولا مصالحة، في مدينة تحوّلت إلى مختبر مفتوح لفهم من نحن، وما الذي نريده فعلاً من فضاءاتنا العمومية.
