مصطفى بايتاس.. هل وصل الخطاب السياسي إلى الإفلاس؟
ــ عبد الله بوشطارت
مادام أن مروره على بلاطو قناة دوزيم باسم حزب التجمع الوطني للأحرار لم يثر أي ردود فعل داخل أوساط السياسيين والصحفيين والنقاد والمتتبعين للشأن السياسي والانتخابي ببلدنا، ومادام مروره بارد جدا بفعل برودة وهزالة اجوبته وطروحاته النمطية التي استهلكتها وسائل الإعلام المختلفة لا سيما بعض المواقع التي تخدم أجندة رئيس الحزب الملياردير الكبير أخنوش، وكذلك لمعرفة المهتمين والنقاد والمحللين لوضعية بايتاس داخل الحزب الذي تحول من رجل تعليم إلى موظف داخل ديوان وزارة الفلاحة ثم إلى البرلمان عن طريق لائحة الريع الشبابي، وبالتالي فوضعية بايتاس لا تعدو أن تكون وضعية الموظف لدى رئيس الحزب، وليس زعيم او قائد سياسي.
ولذلك، فإنني ارتأيت أن أناقش بعض الأفكار التي آثارها عضو المكتب السياسي لحزب الأحرار (نال العضوية بالصفة لانه مسؤول عن المقر المركزي للحزب وليس منتخب) في الوقت الذي لم يتحدث عنه أحد. لأنني انتمي إلى نفس بلدة السيد بايتاس وننتمي إلى نفس الإقليم وهو الإقليم المجروح والمهدور والمنكوب بسبب مخططات وبرامج التي يرسمها الحزب و ينفذها وزراءه لاسيما وزير الفلاحة والصيد البحري الذي يشغل في ذات الوقت رئيس الحزب وهو إقليم سيدي إفني. .. . بمعنى أنا قريب جدا لما يحدث في الميدان وأتابع عن قرب سياسة الحزب ومخططات مديرية الفلاحة والادارات التابعة لها التي تشتغل وفق أجندة الحزب بحكم أننا كأبناء الفقراء والمهمشين تعيش اسرنا وعائلاتنا من فاكهة الصبار التي انقرضت نهائيا، وأيضا نتابع الأسلوب الذي يشتغل به بايتاس نفسه منذ سنة 2016 في الإقليم وفي الجهة والآليات التي يعتمد عليها من أجل استقطاب المواطنين والاتباع داخل مدينة إفني وخارجها.
أولا في حديثه عن الجاذبية، فاجأه الصحفي المقتدر جامع گولحسن بسؤال: هل هي جاذبية الحزب أم جاذبية الرئيس. وهو سؤال مهم جدا، لأن الجواب الحقيقي والصائب هو جاذبية الرئيس الذي يملك الأموال الطائلة والكثيرة، والمسؤول الحزبي داخل البرنامج يقصد بالجاذبية التهافت الملاحظ والمبالغ لبعض الأعيان وبعض منتهزي الفرص من المقاولين وأصحاب الشكارة على تزكيات الحزب لأن رئيسه ملياردير لمدة 5 سنوات وهو يردد سنفوز بحكومة 2021، وهم أعيان رأوا كيف يتم صرف أموال كثيرة جدا في جولات عبر الطائرات والسيارات الفارهة وكيف يتم تنظيم اللقاءات والموائد في 100 مدينة، فمن الطبيعي أن تكون هناك جاذبية. لأن المال يجذب البشر في كل بقاع العالم.
لذلك يقال أن استعمال المال في السياسة عمل خطير للغاية ويجرمه القانون. وهذه القضية أثيرت في البرنامج لما طرح عليه سؤال وجود شبهات استعمال المال من طرف مرشحي الحزب، فهرب بايتاس هربة غريبة ولمح إلى أن ذلك “يهدد التجربة الديموقراطية ويسيئ للدولة ولسمعة البلاد”. اوا شوفو الديماغوجيا والطنز، السؤال يتحدث عن استعمال المال وإفساد الانتخابات لدى حزب سياسي، والعضو في المكتب السياسي يتحدث عن تهديد التجربة الديموقراطية والاساءة لصورة البلد. الحديث كان عن الحزب الذي صدرت أحكام قضائية ابتدائيا تدين مرشحين من حزب الأحرار بتهمة استعمال المال في الانتخابات، وهما مرشحان ينتميان إلى إقليم سيدي افني اي الدائرة الانتخابية التشريعية التي سيترشح فيها بايتاس ويشغل فيه المنسق الإقليمي للحزب، اذن السؤال كان حول الحزب والسيد العضو ادخل الدولة والتجربة الديموقراطية في النقاش. الدولة والديموقراطية لا علاقة لهما بعمليات إفساد انتخابي يقترفها منتمين لحزب سياسي.
كان على بايتاس أن يخجل من نفسه وأن يعتذر عن تمثيل الحزب وان يبحث رئيسه عن وجه آخر للحديث أمام المغاربة عن جاذبية الحزب وواقعيته ووعوده ونظافة أيادي مرشحيه، احتراما للمعتقلين الذين حكم عليهما بثلاث سنوات سجنا وغرامة مالية، ( ندعو الله أن يفرج عنهما ويعودا إلى أسرتهما) وهما ينتميان إلى قبائل تاريخية لهما من المجد والنبوغ والهمة الباع الطويل، وهي آيت باعمران وايت الرخا باقليم سيدي إفني. عليه أن يخجل من نفسه وان يتخلى عن أنانيته السياسية المفرطة، لا أن يخرج في قناة تلفزية عمومية يقول فيها للناس (أنا غانترشح ف إقليم سيدي إفني وماعنديش الفلوس) في محاولة لتبرئة الذمة، وهو كلام غير بريء سياسيا بوجود معتقلين حكم عليهم باستعمال المال في الانتخابات في إقليم سيدي إفني.
وبما أن المغاربة لا يثقون في كلام السياسيين خاصة الذين ينتمون إلى مثل هذه الأحزاب التي يتحدث العضو المكتب السياسي باسمها، فلابد لمصطفى بايتاس أن يصرح بممتلكاته ومتتلكات بعض أفراد عائلته القريبة لكي يعلم المغاربة واش عندو الفلوس ولا لا.
أما حديثه عن الواقعية فلا حاجة لنا في الدخول معه في نقاش فلسفي ونظري حول المفهوم لأنه يظهر من خلال استعماله بتلك الطريقة أنه لم يدرك الواقعية كمذهب أدبي وفلسفي، ربما قوله ان الحزب ينطلق من الواقع فيعتقد أنه ينتمي إلى الواقعية وهذا تضليل وتسطيح ناتج عن التسنطيحة. فحين يريد بايتاس أن يتحدث كسياسي يريد ينتمي إلى حزب يطمع في رئاسة الحكومة، ويتحدث عن التعليم والصحة والفقر والهشاشة والتنمية والتخلف…. أولا وقبل كل شيء يجب عليه أن يعيش في هذا البلد المغرب، وأن يدرس ابنائه في مدارسه وان يتعالج في مستشفياته ومراكزه الصحية من صنف A وصنف B القابعة في البوادي والفيافي، وينتقل على متن وسائل نقله عبر مسالك طرقية مهترئة ومتهالكة، لا أن يرسل العضو في المكتب السياسي ابنائه إلى بلد اجنبي للتمدرس والتطبيب، ويتحدث هو عن اصلاح التعليم والصحة والشغل والديموقراطية وأشياء أخرى في المغرب. إذن أين هو الواقع والواقعية؟ ولا أعتقد أن بايتاس يريد اقتباس المقولة الماركسية الشهيرة “التحليل الملموس للواقع الملموس”، لأن حزبه يتناقض ويتعارض مع الأدبيات الماركسية بشكل مطلق.
حزب أخنوش الذي يتحدث عنه العضو في المكتب السياسي بتلك الطريقة كأنه المهدي المنتظر الذي سيحل جميع مشاكل المغرب والمغاربة وازماتهم التي تنخر قضايا عديدة ان لم نقل كل القطاعات الحكومية، ويتسائل العضو عن هذه الآفات والازمات الاجتماعية والاقتصادية… لماذا لم يقم الحزب بحلها وهو في الحكومة لازيد من 30 سنة، ويترأس في الحكومات الأخيرة قطاعات حيوية بدءا بالاقتصاد والمالية و الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والسياحة والتجارة والصناعة… وهي القطاعات التي تشغل نسب كبيرة من اليد العاملة بالمغرب. الحزب يعطي وعود انتخابية في غالبيتها هي زيادات في الأجور ومنح مالية وخدمات اجتماعية لبعض الفئات التي اختارها الحزب بعناية بتوصية من مكاتب الدراسات التي اعدت البرنامج الانتخابي( انعدام الواقعية) وهم الأساتذة والنساء والارامل والمتقاعدين وهي الفئات الاجتماعية التي تشارك في التصويت يوم الاقتراع، وقد حاول الحزب استمالة أساتذة التعليم بمنحهم زيادات مالية دون الحديث عن إيجاد حلول جذرية لمعضلة التعاقد التي تضرب في صميم المدرسة العمومية، لأن حزب أخنوش الذي يتسلح بالمال يعتقد ان العدد الكبير والضخم لرجال ونساء التعليم سيحصل على أصواتهم بمجرد إعطاء وعد زيادة الأجور، وهي فكرة مغلوطة لأن الاحرار ينظر إلى فوز الاسلاميين واكتساحهم للانتخابات كأنه يعود إلى انخراط رجال التعليم بكثرة في العدالة والتنمية، لكن ما لايعلمه أخنوش هو أن الأساتذة ينتمون إلى النخبة و إلى الطبقة المتوسطة، والذين انخرطوا في صفوف الاسلاميين هم مناضلين تجمعهم مرجعية وايديولوجيا اشتغلوا داخل أجهزة الحزب بالتدرج واشتغلوا في النقابة موازية للحزب في إطار مشروع سياسي متكامل لا يوجد في المغرب فقط وإنما في جل الدول في إطار انتشار حركات الإسلام السياسي والإخوان المسلمون في سياقات عالمية لايمكن شرحها الان، كما لا يمكن لأخنوش أن يواجههم بالمال والمقاولات والوعود الانتخابية التي لم يعد المغاربة يسمعنوها و بالأحرى تصديقها.
كل الوعود الانتخابية التي قدمها حزب أخنوش عبارة عن الزيادة في الأجور وأداء أجور ومنح اجتماعية… في بلد كالمغرب ارتفعت حجم مديونيته بشكل مخيف جدا… فمن الذي سيصدق وعود أخنوش الذي ارتفعت ثروته منذ أن كان وزيرا في الحكومة سنة 2007 وارتفعت أكثر بكثير أثناء الجائحة…
نعود لكلام عضو المكتب السياسي في التلفزيون الذي استغل مروره الاعلامي هذا في حملة انتخابية لنفسه فقط، في حديثه المتعمد وبشكل مستفز عن اقليم سيدي إفني ولاخصاص وايت رخا وامجاض وذكر بالضبط جماعة إبضر التي ينتمي إليها البرلماني مصطفى مشارك الذي انتزع منه بايتاس التزكية ورشح نفسه وكيلا للائحة ومشارك في المرتبة الثانية، كل مرة يعطي بايتاس المثل بسيدي إفني لإستمالة المواطنين… لكنه مرر مغالطات وأكاذيب كثيرة، في عدم اعترافه بالمسؤولية السياسية لحزبه ولوزارة الفلاحة التي يرأسها اخنوش لمدة 14 سنة في انقراض فاكهة الصبار وانتشار الرعي الجائر، الذي حاول العضو في المكتب السياسي للاحرار تحميل المسؤولية للداخلية والدرك الذين لم يقوموا بمنع الرحل ومراقبتهم لتحركاتهم وفق ما هو منصوص عليه في قانون 113/13 لتنظيم الترحال الرعوي، فعوض أن يتحمل حزب الأحرار والحكومة ووزارة الفلاحة المسؤولية في إصدار قانون الرعي والمراعي الذي يهدد الساكنة واملاكهم راح عضوه السياسي يبحث عن مشجب يعلق عليه فشل الوزارة…
اما تقاعس وزارة الفلاحة في محاربة الحشرة القرمزية بحزم وصرامة فهو ظاهر وبين، فقد فتكت هذه الحشرة بكل الحقول في آيت باعمران الذين فقدوا مصدرهم الوحيد للعيش. وقبل مجيئ أخنوش إلى مدينة گلميم بيومين فقط لاعلان عن اسماء مرشحي حزبه في الانتخابات المقبلة بجهة وادنون، عمدت المديرية الجهوية للفلاحة في كلميم بإعلان عن بدء عملية غرس حوالي 48 ألف هكتار من الصبار المقاوم للحشرة القرمزية من نوع أشفري الذي لا يغرسه آيت باعمران إلا لتسييج حقولهم من الصبار من النوع أموسلم بصنفيه…. لنفهم لماذا عملت المديرية بذلك قبل مجيء أخنوش في مهمة حزبية وانتخابية….
خلاصة القول، ظهور ممثل الاحرار في قناة دوزيم التي كانت تستضيف رؤساء الأحزاب والأمناء العامون، وتعذر حضور رئيس الاحرار لأسباب يعرفها الجميع، هو ظهور فيه كثير من الديماغوجيا وقليل من السياسة… لأن الحزب ليست له وظيفة الأحزاب التي لها مرجعية فكرية وسياسية وتموقع أيديولوجي وهوية سياسية واضحة.
